ولقد كان من المنطقي قبل الحديث عن فهمنا للإسلام أن نوضح الخلل الذي طرأ على أفهام المسلمين فشوه صورة دينهم، وأن نحدد من الذي أدخل علينا هذا السم الزعاف، وأن نفضح كل من يعمل لحسابه أو يتستر عليه، لنعرف من أين أوتينا بالتحديد، فنحذر أن نتعثر كما تعثر الكثيرون من قبل، ونحذر أبناء أمتنا ونأخذ الأهبة ونلبس لأمة الحرب لمجابهة هذا الغزو الفكري المحترف، مساهمة منا متواضعة قدر جهدنا المتواضع في إخراج جيل على غرار الجيل الأول، جيل يفهم الإسلام فهم الجيل الأول، ويصوغ النفس وفق منهجه، ويصبغ حياته بصبغته؛ كمقدمة لأن يعمل له ويضحي من أجله ومن أجل إعادته إلى مكانته قائدا للبشرية التي ضلت وطال شرودها.
الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد لله تعالى رب العالمين طوعا بإتباع ما جاء به النبي الكريم من أوامر ونواهي وأحكام وقواعد وحدود تنظم حياة الناس وتنظم كل ما يلزم البشر - في أي زمان وأي مكان - بما يكفل لهم تحقيق خيري الدنيا والآخرة.
هذا هو الإسلام باختصار وبساطة شديدتين.
هذا هو الإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وكما فهمه سلفنا الصالح، وكما تعلمنا من علماء أمتنا.
وهذه ما تقره"عقيدتنا"في قلوبنا، إن إيماننا بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه سبحانه بكل شيء عليم، يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
وأنه جلت قدرته؛ {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [سبأ: 3] ، وبأنه جل وعلا هو الحكيم في فعله وقوله وتشريعه، وأنه هو الخبير بما يصلح عباده اليوم وغدا وأن إيماننا بأن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي خاتمة الرسالات.
وأن هذا الدين الخاتم جاء للخلق كلهم من يوم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، وأن كل الخلق مأمورون بإتباعه، {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 151] ، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 3] .
إن الإيمان بهذه القضايا ليحتم علينا أن نؤمن ونوقن بأن هذه"الرسالة الخاتمة"إنما أنزلت لتستوعب الخلائق كلهم وفق منهجها الرباني الذي ينتظم داخل تشريعاته كل ما يحتاج إليه البشر في حياتهم، والذي جاء ليوضح ويبين لهم كل ما يلزمهم ويصلح شأنهم، جاء ليحدد لهم العقيدة والعبادة والخلق وسياسة الناس وقيادة المجتمعات والفصل في النازعات والحكم بين الناس وعلاقات الدول.
وهكذا كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الرسول والداعية والحاكم والقاضي والمعلم والمربي وأمير الجيش وإمام الصلاة، وهكذا كان خلفاؤه من بعده.
وفي الحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) [رواه الترمذي وأحمد] .
ورسولنا صلى الله عليه وسلم لم يتلق إلا عن ربه عز وجل، وخلفاؤه لم يهتدوا إلا بهدي نبينا، وفي هذا الدلالة على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما يكفي ويفي لإقامة الدنيا وسياستها كما ساسها من قبل خلفاؤنا.
إن الله تعالى يقول في كتابه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ، هذه بضع آية من كتاب الله، فيها ثلاثة عبارات، الواحدة منها تقيم بمفردها الدليل القاطع والبرهان الساطع على شمولية هذا الدين، وأنه دين كامل تام شامل لا قصور فيه ولا عجز، وأنه صالح بل ومصلح لكل عصر ومصر.