فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 113

ليس كل من ادعى بلسانه الإيمان صادقا في دعواه، إن للإيمان علامات فإن وجدت، وإلا كذبت الدعوى.

بين صدق الإيمان وكذب الادعاء بعد المشرقين.

من شاء أن يتأكد من صحة ذلك؛ فليقف ولينظر إلى الإيمان الذي يصدقه العمل وإلى دعوى الإيمان العارية عن الدليل عن صدقها ... يردد البصر بينهما، فسرعان ما يدرك الفارق ويرى البون الشاسع، يرى بعد المشرقين!

من شاء أن يتبين؛ فليقف معنا نستعرض سويا صفحتين لجيلين من أجيال أمتنا.

صفحة من الماضي البعيد؛ نقرأ فيها تاريخ الجيل الأول من هذه الأمة جيل الصحابة خير القرون، في مقابل صفحة الحاضر الذي نحياه.

وجيل الصحابة هو جيل انتزعت العقيدة الإسلامية أفراده من براثن الجاهلية وأزالت وصمة الشرك وغسلت عنهم أدران الكفر، لترسي في قلوبهم حقيقة الإيمان وتضئ في جنباتهم نور التوحيد.

فكانت العقيدة وحدها هي العامل المؤثر في تكوين هذا الجيل وصياغته وتنشئته وإنه ليروق لنا أن نتوقف قليلا لنستعرض الصور والمظاهر الدالة على أثر العقيدة وتأثيرها في بناء وتنشئة هذا الجيل.

وتتزاحم الصور! نختار أيا منها نختار؟!

أنتحدث عن المهاجرين أم عن الأنصار؟ عن الشيوخ أم عن الشباب أم عن الغلمان؟ أم عن الرجال أم عن النساء؟ أنتحدث عنهم في السراء أم في الضراء؟

أنتحدث عنهم فرسانا بالنهار أم رهبانا بالليل؟ أنتحدث عن بيع النفس أم عن بذل المال؟ أنتحدث عن نور الطاعة أم عن صدق التوبة؟

ففي كل هذه الصور وبلا استثناء تلمح دلائل ومظاهر صدق الإيمان تشع نورا وضياء، فتبهر الناظر إليها وتجعله يتعجب ويتساءل؛ ما الذي أخرج هؤلاء بهذه السرعة من الظلمات إلى النور، وجعلهم خير القرون؟!

ولنتجول في رحاب هذه المشاهد، نسمع ونرى ...

فهذا بلال يتحدى أمية بن خلف بقوله؛ (أحد ... أحد) ، وظهره على الجمر، والحجر فوق الصدر.

وهذا خباب يكوى جسده كله بالنار فما يرده ذلك عن دينه.

وهؤلاء آل ياسر يعذبون، وتقتل سمية، ويصبرون وما يضعفون تصديقا بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) .

وانظر إلى المهاجرين يتركون الأهل والمال والولد، ويقطعون الصحراء بين مكة والمدينة بغير زاد، مهاجرين إلى الله ورسوله.

وهذا أبو عبيدة يقتل أباه يوم بدر, والصديق يهم يومها بقتل ابنه، ومصعب يقتل أخاه عبيد بن عمير.

وهذا مصعب يُقتل يوم أحد فما يجدون له إلا نمرة تغطي الرأس وتكشف الرجلين، ورحم الله مصعبا لقد كان من قبل أنعم فتيان قريش.

وارجع معي إلى الوراء قليلا وأنظر إلى أيدي الأنصار التي امتدت لتبايع ليلة العقبة وهم يعلمون أن العرب سترميهم عن قوس واحدة وأن السيوف ستعضهم من كل جانب، وأن خيارهم سيقتلون، ويقولون رغم كل هذا: (ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) .

ثم انظر إليهم لتراهم يقتسمون المال والديار والمتاع مع إخوانهم المهاجرين، {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر: 9] .

واستمع إليهم يوم بدر وقائلهم يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، فسر على بركة الله) .

وهاهم يذودون عن الرسول يوم أحد، ويقتل منهم سبعة دونه صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت