ثم امض بنا إلى حنين يوم فر اثنا عشر ألف مقاتل من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يجتمع إليه ثمانون من الأنصار ينتزعون النصر من هوازن، ويجمعون الغنائم، ثم إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يفرقها في غير الأنصار، يعطيها لأول الناس فرارا وآخرهم إيابا، للمؤلفة قلوبهم، وماذا للأنصار يا رسول الله؟! لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم) ، ويبكي الأنصار قائلين: (رضينا برسول الله قسما وحظا) [رواه البخاري] .
وعد بنا إلى المدينة وانظر إلى الصديق وهو ينخلع من ماله كله ليساهم في تجهيز جيش المسلمين، وماذا ترك لأبنائه؟ ترك لهم الله ورسوله، وابن الخطاب ينفق نصف ماله، وعثمان يجهز بمفرده جيش العسرة.
وقف بنا خلف الخندق، فالأحزاب تحاصر المدينة شهرا حتى؛ {زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] ، فيهتف الإيمان من الحناجر؛ {هذا ما وعدنا الله ورسوله} [الأحزاب: 22] .
وقف بنا وقفة إكبار لألوف خرجت في عام العسرة ومضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوب تبوك تاركة المقام في الظلال والثمار، وسارت تقطع الصحراء القاحلة بغير زاد إلا قليل التمر ويسير الماء فرحة بصحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وعد إلى المدينة وابكي مع البكاءين الذين لم يجدوا ولم يجد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه فـ {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] .
وفتش ببصرك بين الصفوف المصطفة في انتظار الخروج لملاقاة العدو يوم أحد ترى عمير بن أبي وقاص يختبئ بين الرجال ويتوارى خلفهم عن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يراه فيرده لصغر سنه.
وسر بنا في طرقات المدينة التي أغرقتها الخمر فور نزول الأمر بالتحريم؛ {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90]
واصغ بسمعك إلى الخنساء وهي تقول يوم القادسية يوم قتل أبناؤها الأربعة: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم) ، وإنها لهي هي التي قالت قبل إسلامها تنعي أخاها:
(ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي)
وهاهن الصحابيات يشققن مروطهن ليغطين وجوههن لأن القرآن تنزل: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] .
وهذه امرأة من بني دينار ينعى إليها زوجها وأبوها وأخوها بعد أحد، فتقول: (فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) ، فيقال؛ لها خيرا، فتنظر إليه فلما تراه تقول: (كل مصيبة بعدك جلل) .
وهذه الغامدية تزل وتزني ويستر عليها ربها، وتأبى إلا أن تأتي وتقر بين يدي رسول الله وتناشده أن يطهرها ويرجمها، وتجود بنفسها لترضي ربها، وتتوب توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم.
وانظر إلى الصحابي الجليل أبي ذر يضع خده ويأبى أن يرفعه، إلا أن يطأ بلال الخد الآخر بالقدم، اعتذارا منه لبلال عن كلمة أحفظته.
وبعد ...
ماذا نملك أن نقول؟ تعجز العبارة عن اقتحام هذه المعاني فلا نملك إلا أن نقول كما قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح: 29] .