ونقول كما قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) [رواه البخاري ومسلم] .
هذه صفحة الماضي، ويشق علينا أن نطويها ونعود ننظر في صفحة الحاضر، وإنا لنتركها على كره لنلتقي مع صفحة الحاضر كارهين ولنتلقى صفحة الواقع فإذا الضياء ظلمة، وإذا النور دلجة، وإذا الإيمان واليقين زعزعة وشك ... والواقع لا يحتاج إلى مزيد تفصيل فكلنا يراه، كلنا يحيى هذه المأساة، من منا لا يتمزق وهو يرى أمته تتفتت وعقائدها تتخبط بين الإرجاء والتكفير، وتتنازعها البدع والأهواء والخزعبلات.
فالحكام؛ موالون موالاة صريحة وقبيحة للشرق أو للغرب وكلاهما كافر، والحب كل الحب لليهود والنصارى، والعداء والحرب والكيد والمكر للإسلام وأهله، وهم في ذات الوقت تاركون الحكم بكتاب الله، مبدلون للشرع، وهم بعد كل هذا ورغم كل هذا؛ يدعون أنهم مسلمون، وعندهم من علماء السوء من يخلع عليهم لقب"الخليفة"و"الحاكم بأمر الله".
والشعوب مأمورة بموالاة الحكام والرضا بكفرهم والتحاكم إلى شرعهم.
والعلمانية دين جديد يستشري بين الخلق ويبشر به الإعلام ويبثه التعليم في عقول الأبناء.
وهذا الدين ينادي؛ بأن المسجد لله، وللحكام التشريع، وعلماء الفتنة يعلمون الخلق عقيدة الإرجاء، فالإيمان في القلب ودع عنك العمل وكل الناس مؤمنون أتقياء، وعلى رأسهم الحكام، واليهود والنصارى معنا ينعمون في الجنات.
والصوفية والبهائية والقديانية والنصيرية وغيرها يفسح لها المجال تعيث فسادا في العقائد وتنشر الخزعبلات والبدع.
وفي المقابل - وكرد فعل غير منضبط - تعود فرقة الخوارج للظهور بشتى مدارسها وتنبعث فيها الحياة من جديد، تعود لتخلع الإسلام عن كل الخلق وتصمهم بالكفر.
وتبحث في وسط هذا الركام عن عقيدة سلفنا الصالح، فلا تكاد تراها فلقد تاهت وغابت عن العقول والقلوب وضاعت مظاهر وجودها وتلاشت من حياة الناس أفرادا وجماعات إلا من رحم ربك، وقليل ما هم! وتبقى كل هذه الصور التي نراها في صفحة الواقع تبقى دليلا على أن الإيمان الحق غائب عن مجتمعاتنا، وأن العقيدة تائهة عن القلوب أو مضطربة مهزومة فيها على الأقل.
هذه صفحة الحاضر تحكي - وهي تبكي حالنا - وما آل إليه أمر أمتنا ... هذه صفحة الحاضر يكاد ظلامها ينسينا الضياء الذي كنا نراه حينما عشنا للحظات مع أفضل القرون، مع خير جيل من أمتنا.
ومع كل الفروق التي رأيناها بين الماضي والحاضر، ورغما عن هذا التباين الذي عرفناه، ورغم سعة الشقة بين الجيلين، بين المشرقين، رغم كل هذا؛ ترى كلاهما يقول أنه مؤمن، ويظل الإيمان شارة يرفعها أصحاب كل جيل من الجيلين.
غير أن أحدهما رفعها بصدق وعمل بمقتضاها وسعى لها سعيها، والآخر يرفعها وراثة ويعمل بما يفضح سره ويكشف الستر عن سريرته، فهل وعينا الدرس؟! هل علمنا أنه لا يكفي بحال أن ندعي الإيمان ما لم يصدق هذا الزعم عمل وسعي يلائم هذه الدعوى العريضة؟
ورحم الله الشافعي القائل: (لو تأمل الناس سورة العصر لكفتهم) .
فهلا تأملنا سورة العصر!
{بسم الله الرحمن الرحيم * والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} .
ونحن نذكر عقيدتنا؛ عقيدة التوحيد، عقيدة الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، عقيدة سلفنا الصالح، ومن تبعهم بإحسان من علماء المسلمين، ومن اقتدى بهم في مشارق الأرض ومغاربها من عوام المسلمين، لا نذكرها للجدل الكلامي ولا للمناظرات السفسطائية، ولكن تصحيحا لعقائد الأمة، وتنقية لها من الخزعبلات والضلالات التي أدخلت علينا دورنا.