قال أبو حامد الغزالي: (اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف) .
قال الغزالي هذا الكلام في عصره هو، والخلافة قائمة والشرع حاكم!
قال ابن القيم: (وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضيع ودينه يترك وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها، وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية وهو موت القلوب فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل) .
وصدق والله ابن القيم رحمه الله.
وقال ابن القيم: (الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته، وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة التطوع، والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتوزيع وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح) .
وروى ابن المبارك عن عامر الشعبي: (إن رجالا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبا يتعبدون فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد، فقال عبد الله بن مسعود: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا) .
ورحم الله ابن مسعود ورضي الله عنه وأرضاه لقد قال ما قاله والجهاد فرض كفاية، فماذا يقول لو رأى أهل الاعتزال هذا الزمان؟!
ثم أين يذهب أصحاب العزلة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله تعالى، قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة) [رواه البخاري وأحمد وابو داوود] .
ألم يقرأ هؤلاء نهي نبينا صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه عن الاعتزال، وقوله له: (لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) [رواه أبو داوود وأحمد والترمذي] .
بلى يا رسول الله نحب أن يغفر الله لنا ويدخلنا الجنة.
أما من رضي بالاعتزال وترك الواجبات فإنا لا نملك إلا أن نرسل له أبياتا من الشعر، أرسلها محدث الشام عبد الله بن المبارك إلى رفيقه الزاهد العابد الفضيل بن عياض منكرا عليه اعتزاله ومجاورته مكة وتركه الجهاد.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف إمرىء ودخان نار تلهب