ومن قائل؛ بأن الجهاد ماض ولكن لا يجوز القيام به إلا خلف إمام مسلم ممكن، ولما كنا نفتقد الإمام فلا جهاد إذا، ويخلط بجهل أو بسوء نية بين ما قاله جمهور العلماء من عدم جواز القتال إلا بإذن الإمام، وبين ما نحياه نحن الآن من انعدام إمام مسلم يحكم الديار، ولئن كنا نسعى لإقامة الإمام بالقتال، أيأتينا من يقول لا يجوز القتال بغير إمام؟! أو أن نبحث عن إمام مسلم ممكن نقاتل تحت رايته لنصب إمام مسلم علينا؟!
قال ابن قدامة: (فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره فإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع) .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية: ( ... كل من قام بأمر الحرب من جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يطاع فيما أمر به من طاعة الله في ذلك) .
ولا عجب في أن تكثر الأقاويل والأراجيف، ولا عجب فإن الخطب جسيم، إن الفرض شاق، إن الناس مطالبون ببيع النفس والمال وترك الأهل والولد، فكيف لا تجبن؟! وكيف لا تتحايل وقد أشربت قلوبها حب الدنيا وكراهية الموت؟!
ولا عجب فلقد كثرت الأقاويل والأراجيف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمن قائل: {ائذن لي ولا تفتني} [التوبة: 49] ، وقائل: {لا تنفروا في الحر} [التوبة: 82] ، وقائل: {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} [آل عمران: 167] ، وقائل: {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} [النساء: 76] ، وقائل: {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال49] ، وقائل: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] ، وقائل: {لا مقام لكم فارجعوا} [الأحزاب: 13] ، وقائل: {شغلتنا أموالنا وأهلونا} [الفتح: 11] ، وقائل: {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب 13] .
ويأتي قول الحق تبارك وتعالى يصفهم ويصمهم جميعا: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله إنبعاثهم فثبطهم وقيل أقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] .
ويبقى الجهاد في سبيل الله؛ قمة سامقة يستحيل على المنافقين والذين في قلوبهم مرض الصعود إليها.
يبقى الجهاد في سبيل الله؛ كارها لهؤلاء الذين كرهوه، يأنفهم كما يأنفونه.
يبقى الجهاد؛ لأهله الذين هم أهله الذين باعوا الدنيا وكرهوا المقام فيها اشتياقا إلى لقاء الرحمن، وإلى الجنان.
يبقى الجهاد؛ لأهله الذين يعلمون أنه حتمية مفروضة عليهم، حتمية يفرضها الشرع، حتمية تمليها طبيعة هذا الدين، حتمية تدفع إليها الجاهلية، حتمية يحكيها التاريخ.
الجهاد حتمية يفرضها الشرع، تمليها علينا عدة فروض شرعية لا يتم أي منها في هذا الزمان إلا بالجهاد.
1)يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب خلع الحاكم الكافر، أليس حكام بلادنا قد كفروا باستبدال الشرع وبحكم الخلق بشرع جاهلي؟ أليس الجهاد واجبا اليوم لخلع هؤلاء الحكام؟
2)يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب قتال أي طائفة ذات شوكة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام حتى تلتزم بها، أليست الطوائف المهيمنة على بلادنا ممتنعة عن أكثر شرائع الإسلام؟ أليس الجهاد واجبا اليوم لإجبار هذه الطوائف على التزام ما امتنعت عنه من شرائع الإسلام؟
3)يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب نصب خليفة للمسلمين، أليست الخلافة غائبة عنا اليوم؟ ألم يسقطها أعداؤنا بالسيف والقهر؟ أليس الجهاد هو طريق عودتها؟
4)يمليه علينا الإجماع المنعقد على وجوب الدفاع عن ديار الإسلام واسترداد ما استولى عليه الكفار منها - ذكره الجويني - أليس الجهاد واجبا لاسترداد فلسطين والأندلس وبلدان البلقان والجمهوريات الإسلامية في روسيا وغيرها؟