إن الإسلام ليس مجرد عقيدة في القلب فقط حتى نقنع بحكايتها باللسان والدفاع عنها بالقلم والبرهان ثم نمضي قائلين: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] .
لا هذا فهم أعوج مبتور، إن الإسلام منهج حياة، إنه شرع الله الذي جاء ليسير حياة الخلق، لذا فنحن لا نكتفي بخطبة أو موعظة نقول فيها"عقيدتنا"وندافع وكفى، بل لابد أن ننطلق بهذا الدين، دعوة باللسان، وحجة بالبيان، ودعوة بالحسنى، وجهادا بالسيف، أما اللسان والبيان والحسنى فللقلوب والعقول؛ فإن آمنت فبها ونعمت، وإن أبت فالجزية والصغار وعلو أحكام الإسلام على الديار، فإن امتنعت واستكبرت وعاندت ولم تسلم لنا القيادة فالسيف السيف، حتى تنزاح هذه الطواغيت وبعد ذلك نقول، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] .
هذه هي غاية القتال في الإسلام، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] ، وهذه هي مراحله التي مر بها.
وهذه مرحلته الخاتمة التي عندها استقرت أحكامه، {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] ، {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5] ، {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ، وهذه هي مبررات القتال في الإسلام.
وإن كان الإسلام ليس في حاجة لتقديم مبررات؛ لم يقاتل؟!
ولكننا نذكرهم لأن البعض أضحى يستحي اليوم من ذكر الجهاد! لأن البعض أصبح يتهرب اليوم من الحديث عنه وكأنه وصمة عار في جبين هذا الدين سيتطوع إرضاء للجاهلية والجاهلين الذين لا يستحيون من القتال في سبيل عقائدهم وشرائعهم الكافرة الجاهلة، ثم نأتي نحن اليوم لنتهرب من الجهاد ومن ذكر الجهاد، ونتهرب منه ونتلمس المخرج لنرضي عنا الأسياد من أهل المشرق والمغرب لئلا يغضبوا منا، لئلا ينقموا علينا!
فمن قائل منا؛ جهاد ماذا؟ ليس في الإسلام إلا الدعوة ولقد أمر الله بذلك فقال سبحانه: {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ، ويدعي أن الجهاد يتعارض مع الأمر بالدعوة بالحسنى وبالحكمة، غافلا أو متغافلا عن أن هذه الآية في فقه الدعوة وتحديد أسلوبها، وأن الجهاد له فقهه المختلف وله آياته التي تأمر به وتحض عليه وتوضح فقهه وأحكامه: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 74] .
ومن قائل؛ بأن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط، فلتطمئن الجاهلية في دورها فإننا لن نقاتلها طالما أنها لم تعتد على دورنا لتقاتلنا، فلنتعايش في سلام نحن في دورنا وهم في دورهم. ويسوي هذا الجاهل بجهله وغبائه بين الإسلام والجاهلية، معطيا كلا منهما الحق في أن يهيمن على رقعة من أرض الله وعلى طائفة من خلق الله ليمارس حق السيادة والتشريع والنهي.
كلاهما في ذلك سواء! فإن بغى أحدهما على الآخر فللآخر دفعه وصده!
ومن قائل؛ بأن الجهاد مؤجل إلى أجل غير مسمى، وإن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد بدأ بالدعوة سرا ثم جهر بها متحملا الإيذاء ثم قاتل من قاتله ثم وأخيرا ابتدأ الكفار بالقتال، فما بالنا لا نرضى بأن نمر بنفس المراحل التي مر بها رسولنا؟ وعلام الاستعجال؟ وينسى أو يتناسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كل هذا بأمر من الله تعالى، ولو خالف أو تخطى لكان عاصيا وحاشاه من ذلك وأن الجهاد قد استقرت أحكامه عند المرحلة الخاتمة التي إن نحن قصرنا أو تخلينا عنها عصينا عياذا بالله تعالى من ذلك.