فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة.
ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين له، وأهل ذمة. المحاربين له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب).
ونقول: إن الإسلام جاء ليدخل الخلق كلهم في دين الله تعالى وشرعه، {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو} [الأعراف: 158] .
وجاء أيضا ليمحو الشرك في كل صوره، فوق ظهر الأرض: (حتى يعبد الله وحده لا شريك له) - كما قال صلى الله عليه وسلم -
ومن أجل تحقيق ذلك كانت دعوته صلى الله عليه وسلم بمكة: (قولوا لا إله إلا الله) [رواه أحمد] .
(إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) .
ومن أجل ذلك أيضا انطلقت الجيوش الإسلامية من المدينة إلى سائر أنحاء الجزيرة العربية ثم إلى بلدان فارس والروم، واستمر تسيير الجيوش من كل عواصم الخلافة التي تنقلت خلال ثلاثة عشر قرنا من المدينة إلى دمشق إلى بغداد ثم القاهرة وأخيرا القسطنطينية ومضت كتائب الحق تحمل راية الإسلام تجوب مختلف بقاع الأرض.
ولقد كان هدف المسلمين خلال كل هذه الجولات والدعوات واحدا، كان هدفه صلى الله عليه وسلم من دعوته بمكة هو نفس هدفه حين حطم الأصنام بمكة هو ذات الهدف الذي من أجله سيرت الجيوش تجوب الأرض.
ولقد أحسن الفارس المسلم ربعي بن عامر التعبير عن هذا الهدف حين سأله رستم قائد الفرس: (ما الذي جاء بكم؟) ، فأجابه: (إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة) .
لقد كان هذا هو هدف المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه دوما، ومنهم تعلمه ربعي بن عامر، ما تغير الهدف قط، ولكن تغيرت سبل ووسائل تحقيقه بأمر من الله تعالى بما يوافق الواقع الذي كانت تحياه الدعوة الوليدة حديثة العهد بالأرض وأهل الأرض، وكان كل ذلك بوحي من الله تعالى وتوجيه صريح وأمر جازم لنبيه، فبدأ صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ بالدعوة سرا، وكان لا يدعو إلا من يرى فيه رجاحة عقل ممن كانت تشده إليه صلة قرابة أو معرفة سابقة. ثم أمر بعد ثلاث سنين بالجهر بالدعوة، فجهر بها في مكة وغيرها.
وظلت هذه المرحلة عشر سنين، ورسولنا صلى الله عليه وسلم مأمور فيها بتحمل ما يلقاه من أذى هو وأصحابه، مأمور بالصبر عليه، ولم يؤمر فيها بقتال ولو كان ردا لعدوان يقع عليه أو على أصحابه فضلا عن أنه لم يؤمر ببدء أحد بقتال.
و لذا رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم السماح لأهل بيعة العقبة الثانية لما استأذنوه في قتل المشركين بمنى، وقال: (لم نؤمر بذلك) .
ثم أمر صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، وأذن له في قتال من قاتله، ثم أمر بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله، ووقعت في هذه المرحلة غزوات بدر وأحد والأحزاب وما صاحبها من سرايا وبعوث.
ومع اندحار الأحزاب عن المدينة بدأت المرحلة الخاتمة في أحكام"الجهاد"، فقال صلى الله عليه وسلم عند منصرفه عن تلك الغزوة: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) [رواه البخاري] .
ثم نزلت سورة التوبة ببيان ما استقرت عليه أحكام"الجهاد"إلى قيام الساعة، وكان الأمر بقتال المشركين كافة، وكان الجهاد لنشر دين الله وإعلاء كلمته وشرعته، (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري) [رواه أحمد] .