فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 113

ولقد كرهته النفوس فتركته، فلما تركته ضاعت معالمه، واندثرت علومه ووهن في النفوس أمره، وصار الحديث عنه شاقا، لجهل الناس به إذ طال عليهم الأمد، ولكراهيتهم له، فطول الأمل قسوة للقلب.

صار الحديث عن الجهاد شاقا لأن النفس تخوض فيه والدنيا ممسكة بتلابيبها والشيطان يصدها ويخوفها، والجبن يزلزل أركانها ويحبس جوارحها، ومتاع الدنيا يقف بينها وبينه حجابا مستورا، والنفس ذاتها تود لو تجد لها مخرجا؛ {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} [النساء: 77] ، ويأتي الرد في أروع بيان: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا، أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 77 - 78] .

فلنترك الدنيا بمتاعها القليل خلف ظهورنا، ولنقبل على الآخرة التي هي خير لمن اتقى، ووقتها يمكننا أن نحب الجهاد كما أحبه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشتاق إليه كما اشتاقوا إليه من قبل، ونستنشق في ذكره عبير الجنة.

(إن الجنة تحت ظلال السيوف) [رواه البخاري ومسلم] .

وعندها يمكننا أن نتحدث عن"الجهاد في سبيل الله"... ولكن من أين نبدأ الحديث عن هذا الفرض العظيم؟

هل نبدأ بالحديث عن طبيعته وماهيته؟

أم عن غايته ومقصوده؟

أم عن مراحله وتطوره؟

أم عن حتميته الشرعية والتاريخية؟

أم نبدأ الحديث عن المخلفين وفضح أعذارهم؟

ولنرجع إلى الوراء نتلمس الطريق، ولنبدأ مع رسولنا صلى الله عليه وسلم من أول يوم أوحي إليه فيه.

قال ابن القيم: (فصل: في ترتيب سياق هديه صلى الله عليه وسلم مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل ... أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ ثم أنزل عليه: {يا أيها المدثر قم فأنذر} [المدثر: 1 - 2] ، فنبأه بقوله: {اقرأ} ، وأرسله بقوله: {يا أيها المدثر} ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حوله من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.

ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة.

فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد. وأمر أن يقاتل من نقض عهده.

ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمر فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يدخلوا في الإسلام. وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة والبيان، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم، وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر فإذا انسلخت قاتلهم، فقاتل الناقض لعهده وأجل من لا عهد له، أوله عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت