والحديث عن الجهاد حديث ذو شجون، حديث عن فرض عظيم محبب رغم مشقته إلى قلوب المؤمنين، لأنه يأخذ بأيديهم في الدنيا وفي الآخرة، يأخذ بأيديهم في الدنيا فيخرجهم من المذلة إلى العزة، من الهوان إلى الكرامة، من الهزيمة إلى النصر بإذن الله.
ثم يأخذ بأيديهم في الآخرة إلى الجنة: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] .
وفي الحديث: (لا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم) [رواه أحمد] .
وفيه أيضا: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) [رواه أبو داوود والترمذي وأحمد] .
وعنه صلى الله عليه وسلم: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه على النار) [رواه البخاري] .
لذا بكاه البكاءون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم عجزوا عنه لضيق ذات اليد ف: {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] .
وإنه لهو الذي يفر منه المسلمون في زماننا هذا، وينفضون من حوله، ولقد صدق من سماه"الفريضة الغائبة".
ولعل هذا يعكس بوضوح الفارق الشاسع بيننا وبين أول جيل من أمتنا، وإنه ليوضح لنا أيضا لماذا أعزهم الله تعالى، بينما تركنا نحن نتردى إلى يومنا هذا في هاوية الذل والهوان.
وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم القائل: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [حديث صحيح] .
ولقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وضن الناس بأنفسهم وأموالهم أن يقدموها لله تعالى، مع أنه سبحانه قد ابتاعها منهم وهو مالكها وفاطرها بثمن غال: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] ، ودلهم على السوق التي تعقد فيها الصفقة الرابحة: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} ، ووعد جل وعلا بإمضاء العقد: {وعدا عليه حقا} ، وأودع وعده في أشرف كتبه المنزلة على رسله {في التوراة والإنجيل والقرآن} ، وأمر من قبل هذه الصفقة بالاستبشار: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} ، لأنه قد فاز فوزا عظيما: {وذلك هو الفوز العظيم} ، وحقا إنه لفوز عظيم أن يدفع العبد سلعة لا يمتلكها ولا يملك التصرف فيها أو أن يبقيها، يدفعها ثمنا لجنة عرضها السموات والأرض، جنة لا يدخلها أحد بعمله.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) [رواه البخاري ومسلم] .
ثم إن الله تعالى تكرم على من قبل البيع، فرد عليه سلعته التي أنفقها وأعطاه معه الثمن الذي وعده: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] .
وفي الحديث: (إن أرواح الشهداء في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت) [رواه الترمذي وأحمد والدارمي] .
فرد سبحانه عليهم النفس وأجرى عليهم الرزق إظهارا لكرمه وإحسانه على من قبل هذه الصفقة، ورضي أن يتاجر هذه التجارة.
وبالرغم من كل هذا يتقاعس المسلمون هذا الزمان عن ذلك الفرض العظيم، ويزهدون في ذلك الفوز العظيم، وتقصر همتهم عن الرقي إلى ذروة سنام هذا الدين - (وذروة سنامه الجهاد) - وصدق الله العظيم: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] .