وكون إقامة الشرع الإسلامي والحكم به معروفا يجب العمل لأجله، وكذا الحكم بشرعة الجاهلية منكرا يجب العمل لإزالته وتغييره، هذا ما لا يختلف عليه اثنان ولكن من قال: بأن هناك تعارضا بين الأمر بكل معروف وبين الأمر بالمعروف الأكبر على حد تسميتهم ومن ذا الذي ادعى أن هناك تعارضا بين النهي عن كل منكر والنهي عن المنكر الأكبر على حد تسميتهم.
ثم إن وجد هناك تعارضا فإنه سيكون في موقف دون آخر وفي موضع دون آخر، وفي واقعة دون أخرى ولشخص دون آخر، وهذه كلها أمور حسمها علماؤنا وحدوا له حدودا وضوابط كما سبق ذكر ذلك وبيانه عند الحديث عن تعارض المصالح والمفاسد، أما ترك الحسبة بالكلية وإطلاق القول بأن ذلك أكيس وأوفق لتحقيق المعروف الأكبر وإزالة المنكر الأكبر، حفاظا على الجهود من أن تضيع أو تتشتت، وتوجيها للطاقات لما هو أهم وأشمل فهذا تقديم للعقل على الشرع، وصاحب هذه المقولة ينسى أو يتناسى أن الذي ينصرنا ويمكن لنا ديننا هو الذي أمر بالحسبة سبحانه وهو القائل: {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40] .
ولا ندري كيف نرجو نصره ونحن نعصيه بترك أمره لنا وبرؤية محارمه تنتهك دون أن نغضب، بل نمضي كالبهم ونصم الآذان ونستغشي الثياب مع قدرتنا على الاحتساب مدعين أننا ساعون لما هو أهم وأشمل وكأننا أوصياء على دين الله، نحذف ونثبت ونقرر ونلغي.
وصدق الشافعي إذ قال: (من اُستغضب في الله ولم يغضب فهو حمار) .
ولن يلبث هذا الذي يرى المنكرات ولا يغيرها - وهو قادر مستطيع غير خائف من ضرر أكبر - يوشك هذا أن يختم الله على قلبه فينتكس ويرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ويصير هو من أصحاب الموبقات، جزاء وفاقا، كيف لا وقد استحق بنو إسرائيل اللعن {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78 - 79] .
قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض أو يلعنكم كما لعنهم) [رواه أبو داوود وأحمد] .
ولا تكلف نفسك عبأ الرد على من قال بأن مصلحة الدعوة تستلزم ترك الاحتساب.
فإنا لا نعرف للدعوة مصلحة إلا في الامتثال لأوامر الشارع سبحانه، فهو أعلم منا بالدعوة وصالحها وهو الذي أمرنا بالحسبة.
1)ملاحظة: العلم بمواطن الحسبة؛ وهذا يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام، والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالإجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء - قاله النووي -
2)المنكر أعم من المعصية: فشرب الصبي للخمر ونحوه ليس بمعصية، لأن الصبي غير مكلف، ولكنه منكر يجب تغييره.
3)إحتراز عن إقامة الحدود: في وجود إمام مسلم إقامة الحدود والتعازير موكولة إليه أو من ينيبه في ذلك، ويجوز ذلك للآحاد بشروط.