وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله شرط من شروط وجودها، {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] ، وما دام وجودها لم ينقطع فإن ذلك يعني بقاءها بصفاتها المذكورة، ومنها الأمر والنهي، فالحسبة باقية ما بقية أمة الإسلام.
والعاملون لهذا الدين، الساعون لتمكينه في الأرض؛ عليهم أن يكونوا في طليعة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، لا يكفيهم أن يكونوا في ذواتهم عاملين بالمعروف منتهين عن المنكر بل لابد فوق ذلك أن يكونوا من الآمرين بكل معروف الناهين عن كل منكر حتى تتوفر شروط التمكين في الأرض المشار إليها في قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج: 41] .
وغير مقبول أن يقال؛ إنهم لن يقيموا الصلاة ولن يؤتوا الزكاة إلا إذا تم تمكين وتحقق بالفعل، وكذا غير مقبول أن يقال ذلك عن الأمر والنهي.
وقد روي أن أحد خلفاء بني العباس أنكر على رجل من عامة المسلمين في عصره لانتصابه للأمر والنهي دون سابق إذن منه، وحاجه الخليفة بقوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج: 41] ، يريد به أن ذلك موكول للسلطان أو من ينيبه، فحاجه الرجل بقول الله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71] ، فأعجب الخليفة بقول الرجل وسكت.
فليت أن أصحاب هذه المقالات يرجعون للحق ويسكتون كما سكت الخليفة.
نعم، السلطة ذات السلطان ستكون أقدر من غير ذوي السلطان على الأمر والنهي، ولكن هذا لا يمنع من القيام بالحسبة في غياب هذه السلطة كما هو حادث الآن، ولئن كان على المسلم أن يأمر وينهى في ظل وجود الإمام وإن لم يأذن له الإمام، فلئن يأمر وينهى عند غياب ذلك أولى وأوجب.
وغير خاف على ذي بصيرة أن الآيات والأحاديث الآمرة بالحسبة مطلقة غير مقيدة وهي تخاطب المسلمين أينما كانوا وعلى قدر استطاعتهم، والله أعلم.
ثم إن الحسبة ضرورة من ضرورات الحركة الإسلامية، لا يسع العاملون لهذا الدين التخلي عنها بحال، ولئن لم يفعلوها فسوف تندثر دعوتهم، وتخفق المنكرات وتزهق حركتهم وتطمس ملامح سعيهم ولا محالة.
ولعله من المناسب هنا أن نكرر القول؛ بأن الجاهلية من حولنا تواجهنا بأساليب شتى وبتحديات متعددة، وشرعنا قد جاء كاملا شاملا مشتملا على الرد على كل ما تجابهنا به الجاهلية، فهناك ما لا يمكن مواجهته إلا بالحسبة كما أن هناك ما لا يجدي معه إلا الجهاد وهناك ما لا ينفعه إلا الدعوة.
فإن تركنا الحسبة انتصرت علينا الجاهلية، لأننا تركنا سلاحا من أسلحتنا التي أمرنا الشارع بشهرها في وقتها ومكانها المناسبين، والتي لن يجدي في مجالها غيرها بأي حال من الأحوال.
إننا لا يسعنا إلا أن ندفع قدر طاقتنا كل منكر نلقاه في طريقنا ونزيحه من طريق دعوتنا وكذا نأمر بكل معروف نفتقد وجوده، وفق ما حدده لنا الشرع وما بينه العلماء من ضوابط وحدوه من حدود، ونحن نسعى لأن نحيا ونحيي الناس من حولنا في وسط أصلح ما يمكن للحفاظ على دين الخلق وسياسة دنياهم وفق شرعة ربهم، وتعبيدهم لإلههم الحق، وهذا في حد ذاته هدف من أهداف العاملين للإسلام - كما سبق بيانه وإيضاحه - ريثما يأذن الله ويوفق سعينا لإقامة الخلافة التي تكون مهمتها؛ حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين.
ولا يصح زعم من زعم أن ترك الأمر والنهي ضرورة يتطلبها تجميع الجهود وحشد الطاقات لإزالة المنكر الأكبر - يقصدون الحكم بشرعة الجاهلية - وإقامة المعروف الأكبر - يقصدون الحكم بشرع الله -