فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 113

قال القرطبي: (وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة والجماعة، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس، فإن قيل: قال تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] ، وقال: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [الصف 3] ، ونحوه، قلنا: إنما الذم على فعل المنهي عنه لا عن نهي غيره) .

ويوضح ذلك قول النووي: (فإنه يجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر) .

وقال أبو حامد الغزالي: (الحق أن للفاسق أن يحتسب) .

وادعى البعض؛ أن الحسبة لا تجوز إلا لمن يعينه الإمام، وقالوا: إن المحتسب لابد أن يكون مأذونا له في الحسبة من قبل الإمام:

وهذا اشتراط فاسد، وتحكم بغير دليل، فالآيات والأحاديث الآمرة بالحسبة على كثرتها تخلو من هذا الشرط، وهي مطلقة غير مقيدة بهذا القيد، فمن أين جاءوا به هذا؟! وقد استمرت عادات السلف على الإنكار بدون إذن من الإمام، بل إنهم كانوا ينكرون على الأئمة إذا رأوا منهم مخالفة للشرع.

قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) [رواه أحمد وابن ماجة] .

فأباح بذلك الإنكار على الولاة، فهل يقول عاقل بأن من ينكر على الوالي محتاج إلى إذنه منه؟!

قال النووي: (قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولاية بل ذلك جائز لآحاد المسلمين) .

قال إمام الحرمين: (والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية، والله أعلم) .

وقال النووي أيضا: (قال إمام الحرمين رحمه الله: ويسوغ لآحاد الرعية أن يصد مرتكب الكبيرة) .

فإن قيل: فإن الحسبة نوع ولاية فمن الذي يعطيها للآحاد من الرعية؟

قلنا: ولاية المحتسب مستمدة من أوامر الشارع بالحسبة وهي كما قدمنا مطلقة غير مقيدة، على أنه قد يقال؛ أن ولاية المحتسب المنصوب للحسبة من قبل الإمام أتم وأوسع، فهو مخاطب كغيره بالآيات والأحاديث الآمرة بالاحتساب ثم إنه بعد ذلك عقدت له الولاية من قبل إمام المسلمين وبذلك تكون ولايته أتم وسلطته أوسع من غيره، وهذا القول سائغ، إلا أن ذلك لا يعني منع غيره من الاحتساب.

قال ابن تيمية: (فذووا السلطان أقدر من غيرهم وعليهم من الواجب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] .

والمقالات التي انتشرت أيامنا هذه وكثر ترديدها على ألسنة الكثيرين من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية فضلا عن العوام حتى صدقها عامتهم وصارت وكأنها بدهيات لا يجوز مخالفتها، وهي في حقيقتها وهم لا يصح ترديده أو تصديقه.

من ذلك قول البعض: (إن الحسبة لا تجوز إلا للسلطة المسلمة في أعلى صورها ومستوياتها متمثلة في"الخلافة") !

والجماعة المسلمة أثناء سعيها لإيجادها امتثالا لأمره تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] ، فهذه صفات الأمة المسلمة، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن الأمة المسلمة سينقطع وجودها يوما، وإن لم يكن السلطان السياسي بيد أبنائها وإن انتزاع السلطان السياسي من يدها لفترة من الزمان لا يسوغ لها ترك الأمر والنهي كما لا يسوغ لها ترك الدعوة إلى الخير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت