فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 113

قال ابن القيم عن ذوي الولاية والسلطان: (فعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم فإن مناط الوجوب هو القدرة فيجب على القادر ما لا يجب على العاجز) .

قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) [رواه البخاري ومسلم] .

وكل هذا سائغ في وجود إمام مسلم بعقد ولاية الحسبة لمن هو أهل لها، أما وقد ارتد حكام زماننا بتبديل الشرع؛ فلا ولاية لهم على أحد من الخلق أصلا، والواجب القيام عليهم وخلعهم بالإجماع، فهل يقال؛ بأنه يجب أو حتى يجوز استئذان أمثال هؤلاء للاحتساب؟!

قال الجويني: (ولو سعى عند شغور الزمان - أي عند شغور الزمان من إمام مسلم - طوائف من ذوي النجدة من الناس في نفض الطرق من السعاة في الأرض بالفساد فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .

وأما آداب المحتسب فكثيرة، منها: الإخلاص، والعلم بمواطن الحسبة [1] ، وحدودها وموانعها، والصبر والحلم، والرفق، وقطع العلائق وتقليل الطمع عن الخلائق، وكذا تحلي المحتسب بفعله المعروف وانتهاءه في نفسه عن المنكر، فإن ذلك وإن لم يك شرطا إلا أنه أبلغ في التأثير وأدعى للتوفيق.

ثانيا؛ المحتسب عليه: هو كل إنسان يباشر أي فعل يجوز أو يجب الاحتساب فيه، ولا يشترط أن يكون مكلفا.

ثالثا؛ المحتسب فيه: هو كل منكر، متفق على حكمه، موجود في الحال ظاهر للمحتسب من غير تجسس.

فـ"المنكر"أعم من المعصية [2] ولا يشترط كونه كبيرا أو صغيرا، وقولنا:"متفق عليه على حكمه"؛ يخرج به ما كان محل خلاف معتبر مستساغ بين العلماء، ولا يعتد الخلاف الشاذ ولا الباطل. وقولنا:"موجود في الحال"؛ احتراز عن إقامة الحدود والتعازير على من فرغ من المعصية فإن هذا ليس للآحاد [3] ، ويخرج به أيضا ما يتوقع حدوثه من منكرات فلا يجوز فيه غير النصح، وقلنا"ظاهر للمحتسب من غير تجسس"؛ لقوله سبحانه: {ولا تجسسوا} [الحجرات: 12] .

رابعا؛ الاحتساب:

وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وقد قدمنا أن إنكار المنكر بالقلب واجب على كل واحد مع القدرة وعدمها لا يجوز تركه بحال، وإلا كان ذلك علامة على ذهاب الإيمان من القلب.

لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [رواه البخاري ومسلم] .

ونضيف هنا أن إنكار المنكر بالقلب يستلزم غياب المسلم عن مكان المعصية ما دام غير قادر على التغيير.

وقد قيل: (من لم يزل المنكر فليزل عنه) .

أما مراتب التغيير عند الاستطاعة فهي على الترتيب التالي:

1)التعريف؛ فلعل الفاعل جاهل، لا يدري كون ما يفعله منكرا، فيجب تعريفه بلطف، فإن لم يمتنع، فالمرتبة الثانية، وهي ...

2)النصح والتذكير بالله والتخويف من عذابه وأليم عقابه، وترغيبه في ثوابه؛ وحد هذه المرتبة والتي قبلها الرفق واللطف واللين.

قال الشافعي: (من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه) .

3)التعنيف والزجر بالخشن من القول؛ بشرط الاقتصار من ذلك على ما يجوز وعدم التعدي إلى ما لا يجوز من القول، ويشترط كذلك الاقتصار على القدر اللازم منه وعدم الاسترسال فيه بغير حاجة.

4)التغيير باليد؛ ككسر العود أو إراقة الخمر ونحو ذلك، وشرطه أن يعجز عن تكليف صاحبه بفعل ذلك بنفسه. ويقتصر أيضا على القدر اللازم، ولا يحل له إفساد ما لا يجوز إفساده.

5)التهديد والتخويف؛ على أن لا يهدد بما لا يجوز فعله حيال مرتكب المنكر ويقتصر على ما يجوز له فعله، ويقدم هذه المرتبة ما أمكنه على المرتبة التي تليها، وهي ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت