ومثل ذلك ما قاله أبو الدرداء رضي الله عنه: (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم) .
وما قاله بلال بن سعيد: (إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة) .
قال النووي: (وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] .
وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (يا أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية وإنكم تضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي، {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده وفي لفظ: إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده) [رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة] .
قال النووي: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم"فليغيره"؛ فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة) .
وقال: (ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو) .
قال ابن تيمية في حديثه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما نصه: (وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره) .
وقال: (مناط الوجوب هو القدرة فيجب على كل إنسان بحسب قدرته، قال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] .
والحسبة لها أركان أربعة: المحتسب، المحتسب عليه، المحتسب فيه، الاحتساب.
ولنتكلم على كل منها بشيء من التفصيل:
أولا؛ المحتسب:
أي الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر سواء كان مأذونا له من قبل الإمام أم لا، وشرطه أن يكون مسلما، مكلفا، قادرا.
فقولنا"مسلما"؛ أخرجنا به الكافر، وقولنا"مكلفا"؛ أي بالغا عاقلا فيخرج منه المجنون والصبي، وإن كان للصبي المميز فعله ولكن لا يجب عليه، وقلنا"قادرا"؛ لأن القدرة على الاحتساب شرط لوجوبه، فالعاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه.
قال ابن رجب: ( ... وأما إنكاره بالقلب فلابد منه فما لم ينكر قلب المؤمن دل على ذهاب الإيمان من قلبه، وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة) .
ويلحق بالعجز الحسي الخوف من مكروه لا يطيقه، فإذا خاف سقط الوجوب، فإن علم من نفسه أنه سيصبر على ما يصيبه فله أن يحتسب بل كان ذلك مندوبا إليه في حقه لقوله صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله) [رواه الحاكم وصححه الالباني] .
أما خوف المكروه والضرر اليسير كالسب والشتم فلا يسقط به الوجوب، بل لابد أن يوطن المحتسب نفسه على تحمل مثل هذا أليس قد قال لقمان لابنه وهو يعظه، {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17] .
فإن توفرت القدرة وعدم الخوف من المكروه وغلب على الظن أن الاحتساب لن يجدي فالأرجح أنه واجب أيضا.
قال النووي: (إنما عليه الأمر والنهي لا القبول) .
وقال: (قال العلماء رضي الله عنهم؛ ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله، {فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات: 55] .