قال تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} [التوبة: 67] ، وقال سبحانه: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التوبة: 71] .
فجعل سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص خصائص المؤمن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وهو صفة نبينا صلى الله عليه وسلم التي ذكرها القرآن: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} [الأعراف: 157] ، وهو صفة هذه الأمة وسبب خيريتها وفلاحها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] .
قال مجاهد: (كنتم خير أمة أخرجت للناس على الشرائط المذكورة في الآية) .
وقال القرطبي: (كنتم خير أمة أخرجت للناس إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) .
فهذا مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك وما اتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم وكان ذلك سببا في هلاكهم.
قال النووي: (واعلم أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته، ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40] .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحمل على القيام به تارة رجاء الثواب، وتارة خوف العقاب من جراء تركه، وتارة الغضب لله تعالى لانتهاك حرماته، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة بهم ورجاء إنقاذهم مما هم فيه من مخالفة لأمر الله تعالى، وتارة إجلال الله تعالى وإعظامه ومحبته، إذ أنه سبحانه أهل لأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال.
قال بعض السلف: (وددت لو أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض) .
ومن لاحظ هذا المقام هان عليه كل ما يلقى من الأذى في سبيل الله.
كما قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه: (وددت لو أني غلت بي القدور في الله تعالى) .
والحسبة قد عرفها الفقهاء بأنها؛ أمر بمعروف ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعله.
قال النووي: (وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة) .
والأمر بالحسبة في الكتاب والسنة تارة يأتي مباشرة، كقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [رواه البخاري ومسلم] .
وتارة يأتي الحث عليه يجعله صفة لازمة للمؤمنين، كقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] .
وتارة لبيان أن تركه سبب لاستحقاق اللعنة، كقوله تعالى: {لعن الذين كفروا على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78 - 79] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا فلا يغيروا، إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه) [رواه أبو داوود وأحمد وابن ماجة] .