فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 113

إن"الدعوة"كسبيل هداية ستظل طريقا مفتوحا لن تتمكن الجاهلية من إغلاقه، فهي لم تتمكن من ذلك أشد ما كانت عداوتها وأضعف ما كان أتباع هذا الدين، يوم بدأ غريبا لا ناصر له من الخلق ولا معين، ولكن السالك على هذا الدرب لابد أن يبذل ويضحي ... لابد وان يدفع ضريبة المرور على هذا الصراط كما دفعها من قبل الأنبياء والمرسلون وعباد الله المبلغون لرسالاته، لابد وان يبذل من دمه ومن ماله بدلا من أن يبذل من دينه.

لابد أن ندفع الثمن مهما كان غاليا، لابد أن ندفعه لإبقاء"الدعوة"طاقة بناء أمتنا، ومعول هدم في جسد الجاهلية. معول هدم يفت في عضدهم، يدحض حججهم ويسفه أحلامهم، يقتطع منهم فلذات أكبادهم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ينقلهم من معسكر الجاهلية إلى معسكر الإسلام، ليصيروا حربا على الجاهلية وجندا للإسلام، مثلما انتقل ابن الخطاب، وابن الوليد وابن العاص وابن أبي جهل.

وفي ختام حديثنا عن الدعوة، نود أن نقول؛ إن المتصدي للدعوة لدين الله تبارك وتعالى إنما يحتل مكان المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان داعيا إلى الله بإذنه طيلة ثلاثة وعشرين عاما.

وإن الله تعالى قد أدب نبيه صلى الله عليه وسلم فأحسن تأديبه قبل أن يأذن الله في حمل أمانة هذا الدين وتبليغ رسالته، واليوم إذ يجب علينا الدعوة إلى الله تعالى إنما تجب علينا تبعاتها، ومتطلباتها، وإن من هذه التبعات والمتطلبات أن نتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ونتحلى بصفاته.

وكتب الحديث والسيرة قد فصلت خلقه صلى الله عليه وسلم وحددت لنا صفاته التي أجملها القرآن في قوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] ، ولقد تجلت عظمة خلقه صلى الله عليه وسلم في مواقفه مع الناس حوله عبر ثلاثة وعشرين عاما هي عمر نبينا في الدعوة لدين الله.

فينبغي على كل من وجب عليه التصدي لهذا الأمر أن يلتمس هذه الأخلاق والصفات ليتحلى بها ويلزم نفسه إياها، وينزل النفس عندها طوعا أو كرها، وإن العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتصبر يصبره الله.

إن اقتحام البعض لميدان الدعوة مع عدم اتصافهم بالصفات اللازمة للداعية وعدم التزامهم بأخلاقيات الدعاة، قد أدى إلى فشل دعوتهم وانصراف الخلق عنهم كارهين لهم ولدعوتهم بسبب ما رأوه في هؤلاء الدعاة من صفات وأخلاق وأحوال تنافي دعوتهم وتخالف مقالتهم.

وليس هناك سبيل إلا أن يقف الدعاة جميعا خلف النبي صلى الله عليه وسلم ويتخلقوا بخلقه ويتصفوا بصفاته، في الصغير والكبير في إخلاصه، وتجرده لربه، في شفقته ورحمته بمن يدعوهم في محبته لهداية الخلق، في صفحه عن المسيء وعدم انتقامه لنفسه، في زهده وورعه في ابتعاده عن مواطن الشبهات والريب، في جرأته في الحق، في تواضعه وحلمه وكرمه، في رفقه ولينه، في إصراره على المضي في دعوته وعدم يأسه {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت