وا حسرتنا، ونحن نرى دعاة اليوم يغضون الطرف عما يعلمونه من الحق استرضاء لشهوات الناس ومجاراة لأهوائهم وتمشيا مع أفكارهم.
وتضيق صدورنا وتنطلق ألسنتنا تقرع هؤلاء الدعاة وتصيح فيهم أن أفيقوا وانتبهوا، إن البشرية اليوم مجتمعاتها وحكامها ومبادئها كلها نتاج دعاوى باطلة ونظريات جاهلية، ظلت تبث دعوتها وتنفث سمومها عبر قرون طويلة حتى صار الأمر إلى ما صار إليه اليوم.
وإن مهمتنا ليست أن نصطلح مع هذا الغثاء، إنما أن نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد 17] .
مهمتنا؛ أن نطرح ديننا ودعوتنا بقوة وصلابة، بشمولية واتباع بوضوح وواقعية، نطرحه ليقارن الناس بينه وبين ما هم عليه، ليقارن الناس بين البصير والأعمى، بين النور والظلمات، بين الأحياء والأموات.
مهمتنا؛ أن نهز الناس بدعوتنا هزا عنيفا لعلهم يفيقون ويقومون من مواتهم أن نصرخ فيهم {استجيبوا لربكم} [الشورى: 47] ، {ففروا إلى الله} [الذاريات: 50] ، لعل الصدمة توقظ عقولهم وقلوبهم.
مهمتنا؛ هي تعبيد الخلق لربهم، لا تعبيدهم لشهواتهم وأهوائهم، ليست مهمتنا أن نحاول التقريب بالحق الذي نعرفه من ديننا وبين الباطل الذي نراه من حولنا، فهذه خيانة لدين الله ولدعوته، وليس عذرا لنا بالمرة أن عامة الناس والمجتمعات بعيدة عن هذا الدين، وأن كل المبادئ والنظريات والمناهج معادية لهذا الدين، لا يصح شيء من ذلك مبررا لمحاولات التقريب الآثمة.
بل إنه دافع لنا لأن نكون أكثر وضوحا وأشد صراحة مع الناس، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] ، {ليهلك من هلك على بينة ويحيى من حيي عن بينة} [الأنفال: 42] .
إن أعدائنا قد أدركوا منذ زمن بعيد استحالة محو هذا الدين بالكلية ورضوا بما دون ذلك، رضوا بتحويره، وليبقى خادما لباطلهم، ويصير أتباعه من السائرين في ركبهم.
ويعمد الأعداء إلى"الدعوة"ليطوعوها، ويجعلوها أداة في أيديهم لتنشئ لهم جيلا من المسلمين يفهم الإسلام كما يروق لهم، جيلا لا يصادمهم ولا يعارضهم في شيء ويبقى الإثم الأكبر على كل من يعاون الأعداء للوصول إلى غايتهم، ويبقى الإثم الأكبر على كل من يضع يده في أيديهم، أو يجعل دعوته تحمل شيئا من منهجهم، أو حتى تخرج من تحت عباءتهم، ويبقى الإثم الأكبر على كل من يخلط الحق بشيء من الضلال كيما يسمح له الأعداء بالمرور.
فالمرور هنا يكون على حساب دينه، يكون لصالح عدوه، وإلا لما تركه يمر هكذا بهدوء وسلام، ولحاربه أعنف ما تكون الحرب ولآذاه أشد ما يكون الإيذاء، {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء: 73 - 75] ، {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا، سنة من قد أرسلنا من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا} [الإسراء: 76 - 77] .
لابد من تضحية، فإن بذل الدعاة دنياهم رخيصة وإلا فسيبيعون دينهم التماسا لرضا أعدائهم. لابد من فتنة، فإن رضي الدعاة بأن تكون في دنياهم إيذاء وقتلا وإلا كانت في دينهم، وعلى الدعاة أن يختاروا!