وكم من المسلمين اعتنق هذا الدين الجديد! وكم من الحكومات اعتنقت هذه العقيدة الجديدة وقامت على أساسها! وعشنا وعاشت بلادنا تترنح تحت وطأة العلمانية كعقيدة وفكر، نظام وحكم.
علمانية في التشريع والحكم، علمانية في القضاء علمانية في التعليم والإعلام، علمانية تبثها أجهزة التثقيف والتوجيه، علمانية بغيضة دست علينا، وغرست قسرا في تربتنا فأنبتت هذه الأنظمة الجاهلية الكافرة التي تستبدل بشرع الله شرعة الشيطان، وتدين بالولاء لشرق أو غرب بدلا من أن ترفع صوتها بقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} [المائدة: 55] .
تنادي بالاشتراكية أو الليبرالية بدلا من الاستجابة لقول الحق: {وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 49] .
تنعق بالقومية أو الشعوبية بدلا من قول الحق جل وعلا: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10] .
تبيع للأعداء الأرض والعرض بدلا من أن ترفع عقيرتها، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] .
تزيح الإسلام وتسخر من أحكامه وتحارب دعاته وتقتل أبناءه وتضيع حدوده، تحل الحرام وتحرم الحلال، تمحق الدين وتفسد الدنيا.
إن حكم الإسلام في هذه الأنظمة والحكومات واضح وصريح؛ إنها كافرة وجاهلية إنها ساقطة الشرعية، لا يجوز لها أن توجد فضلا عن أن تستقر أو تستمر، يجب إزالتها وقد آن لها أن تذهب وتعود من حيث أتت وتمضي غير مأسوف عليها، لترجع لنا خلافتنا التي آن لها أن تعود لتسترد مكانتها وأراضيها، وأهلها وذويها الذين انتزعت منهم وانتزعوا منها، تعود لتقيم الدين وتحرسه وتسوس الدنيا به.
وهذا هدفنا الذي علينا أن نقوم لأجله، علينا أن نقوم ونقول؛ ها نحن قد عدنا، ها نحن أحفاد محمد صلى الله عليه وسلم قد عدنا وأبينا إلا أن نعيد خلافتنا، ولئن كان كيد الأعداء ومكرهم قد استمر واتصل ثلاثة عشر قرنا من الزمان بدءا من هجرة نبينا صلى الله عليه سلم حتى إسقاط الخلافة العثمانية، فإن سعينا وجهادنا سيستمر ويتواصل - إن شاء الله تعالى - حتى نسترد ما ضاع ونعيد دولتنا وخلافتنا، ولسنا سواء؛ نألم كما يألمون، غير أنا نرجو من الله ما لا يرجون، لسنا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار.
وخلافتنا التي نعمل لإقامتها لا مجال لمقارنتها بأي نظام سياسي وضعي مما عرفته البشرية.
فالأسس التي تقوم عليها خلافتنا هي:
أن المشرع هو الله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه.
حق التشريع غير ممنوح لأحد، لا للخليفة، ولا لأهل مشورته، ولا لبرلمان، ولا لحزب، ولا لمجموع الأمة، بل هو خالص حق الله تعالى.
أما الاجتهاد لمعرفة حكم الله فيما يعرض من وقائع وفيما يجد من نوازل وقضايا؛ فهذا ليس تشريعا، بل هو البحث عن حكم الله في هذه الواقعة بالطريق الذي شرعه الله لذلك، {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ، وهذا موكول بأهله من العلماء، وهم بذلك لا يشرعون للأمة بل يستنبطون للأمة حكم الله في هذه الواقعة ويجتهدون في ذلك، ملتزمين في اجتهادهم بالشرع وقواعده وحدوده وضوابطه وقيوده ولا يحيدون عن ذلك قيد أنملة.
و"خلافتنا"؛ لا تقدم بين يدي الله ورسوله لا بقول ولا بفعل ولا بأمر ولا بنهي ولا بتشريع، ولا ترفع صوتها فوق صوت النبي في شيء من ذلك أبدا.
و"خلافتنا"؛ ترد الأمر كله لله ولرسوله، وترد أي نزاع لله ولرسوله، {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] .