وانفتح الباب على مصراعيه أمام الأعداء الذين تكالبوا علينا من كل حدب وصوب، يغلي في صدورهم حقد ألف وثلاثمائة وأربعين عاما، وتداعوا علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وراحوا يقطعون أواصر الأمة الإسلامية، ويقسمون بلدانها وأهلها بينهم غنيمة باردة، وتحتل كل ديارنا - إلا النذر اليسير - ويصاحب هذا الغزو العسكري، غزو آخر لا يقل عنه ضراوة ولا خسة غزو فكري منظم وشرس، وراحت ذئاب البشر من كل دين وملة كافرة تضرب مخالبها وتغرسها في صدر أمتنا لتنتزع قلبها وتمزقه بأنيابها، وسقطت أجيال متتابعة من أمتنا فريسة لهذا الغزو الفكري، وانطلقت الدعاوى الهدامة والماجنة تحاصرنا في كل مكان، في الوقت الذي يكمم فيه دعاة الإسلام وتحاصر دعوته، وتمزقت عقلية أجيال متتابعة من شباب أمتنا ومسخت أفكارهم واهتزت عقائدهم، وانسلخ عن دينه منهم من انسلخ، وبقي من بقي مستمسكا بأصل دينه متخليا عن كافة قيمه وسلوكياته ومبادئه.
وتجلى الغزو الفكري في صورة حرب عقائدية وفكرية، شنت بلا هوادة، تروج للعلمانية بين أبناء المسلمين، في أي صورة وتحت أي دعوى، قومية كانت أو وطنية، اشتراكية كانت أو رأسمالية، وراحت دعاوى المجون والسفور والتحرر والفجور تخلع عن الشباب طهر الإسلام، وعفته وعصمته لتلطخه بوحل الجاهلية وتلقيه في حمأة الشهوة.
وتسخر أجهزة الإعلام والتثقيف والتعليم والتوجيه في سبيل شن هذه الحرب، يساندها في ذلك منظمات وهيئات يديرها اليهود والنصارى وتحميها الدول والجيوش.
كان الغزو العسكري مستهدفا الخلافة كنظام سياسي يجمع المسلمين، ولقد نجح في إسقاطها.
وكان الغزو الفكري مستهدفا الإسلام في عقول أبنائه، ولقد نجح إلى حد كبير في مسخ عقولهم وتشويهه.
لقد عرف الأعداء؛ أن إزاحة الخلافة عن مسرح الحياة السياسية لأمتنا لا يكفي للقضاء على هذه الأمة، ولا يضمن أنها لن تقوم وتعود من جديد لتسترد مجدها، طالما بقي الإسلام بمفهومه الشامل مستقرا في قلوب وعقول أبناء هذه الأمة، لأن هذا المفهوم سرعان ما يدفع المؤمنين به ليعيدوا بسواعدهم خلافتهم.
لقد جرب الأعداء هذا أكثر من مرة؛ كلما اجتاحت جيوشهم دولة الخلافة وأسقطتها، كلما قامت وانتصبت وعادت للحياة، وليس أدل على ذلك تنقل الخلافة بين الحجاز والشام والعراق ومصر وتركيا، ووعى الأعداء الدرس وأرادوا انتهاز الفرصة هذه المرة للقضاء على هذا المفهوم الشامل للإسلام، أرادوا محوه من عقول المسلمين حتى إذا ما سقطت الخلافة هذه المرة لم يتحرك لإعادتها أحد لزوال المحرك الذي كان يحرك ويدفع المسلمين لإعادتها.
ومن أجل ذلك طرحت"العلمانية"وتم الترويج لها بين أبناء هذه الأمة، لتتخذ دينا جديدا يحل محل الإسلام، ولتكون هي البديل العقائدي الفكري الذي تقوم عليه الدويلات والسلطنات التي حلت محل الخلافة، بدلا من الإسلام الذي كانت تقوم عليه الخلافة.
والعلمانية - كما هو معلوم - تدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، وإلى تنحيته عن التشريع والحكم والسياسة، فتحصره في المسجد وتطلق ألسنة دعاته بالمواعظ والرقائق، وتسمح له أن يمارس كشعائر وعبادات وتستضيفه زينة في الموالد والأعياد والاحتفالات، أما التوجيه والقيادة والحكم والسياسة؛ فإياه ... ثم إياه أن يفكر في الاقتراب منها، فهذه للبشر ... هذه للحكام العلمانيين.
فالعلمانية دين جديد، أريد له أن يحل محل الإسلام، ولكن لا بأس من أن يعطي هذا الدين المحراب للإسلام ... المحراب وكفى، هكذا ينص الدين الجديد.
وهكذا مضت العلمانية؛ تصور لنا الدولة على أنها مقاسمة للدين في الحياة الدنيا، تأخذ هي الحكم والقيادة، ويقبع هو في المحراب، وكلاهما الدولة والدين لا يتدخل في شؤون الآخر.