فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 113

وعجبنا لهم في قولهم هذا المبتدع الذي لم يقل به من سلف أمتنا أحد، وكأني بهم يريدون التنصل من كل أحكام الإسلام وشرائعه.

فهذا الذي ينادي بمرحلة مكية؛ عليه أن يوضح لنا هل سيصلي إلى بيت المقدس كما كان يفعل المسلمون بمكة؟! هل سيدع الخمر على ما كانت عليه بمكة؟! هل ستكون صلاة القيام عنده فرضا عينيا كما كانت بمكة؟! أم أن الأمر يخص الجهاد والحسبة وقولة الحق فقط؟!

حقا؛ ومن الجبن ما قتل!

والضابط الصحيح والوحيد لفهم الإسلام فهما صحيحا مجردا عن النقص، منزها عن الخلل؛ هو أن نبحث عن فهم سلف هذه الأمة له، فهم الصحابة والتابعون وأتباعهم ومن اتبعهم من علماء أمتنا الأثبات الثقات الذين لم يبتدعوا ولم يغيروا ولم يبدلوا، الذين امتثلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) .

لذا فإنا لا نعدل عن فهم سلفنا الصالح، ولا نعدل به فهما آخر، فإنهم بمثابة الدليل إلى الدليل يستعان بهم ويستضاء بنورهم للوصول إلى الإسلام كما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولقد حمل أمانة هذا الدين من كل جيل علماؤه الذين أهلهم الله لهذا الأمر ووفقهم لحمل هذه الأمانة، فهؤلاء العلماء من كل جيل هم الذين اقتفوا الأثر ولزموا السنة فانفتح لهم الطريق، فمن أراد أن يهتدي لهذا الصراط المستقيم الذي كانوا عليه، فعليه بلزوم سبيلهم.

قال الأوزاعي: (اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، والزم سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم) .

من أراد الإسلام الذي جاء به النبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم؛ فعليه بسبيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي بن كعب، عليه بسبيل سعيد بن المسيب وخارجة بن زيد وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار وعبد الله بن عبد الله بن عتبة وأبي بكر بن عبد الرحمن وسالم بن عبد الله بن عمر, عليه بسبيل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، عليه بسبيل البخاري ومسلم وابن معين والمديني، عليه بسبيل ابن تيمية والذهبي وابن القيم وابن رجب رحمهم الله جميعا.

أما من ارتضى غير هذا السبيل، {فقد ضل سواء السبيل} [الممتحنة: 1] ، ضل لا محالة طالما أنه لم يسلك طريق أهل الحق، {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] .

وسلفنا الصالح هم أولى الناس بأن نتبع فهمهم للإسلام، لأنهم هم الذين يملكون أدوات الاجتهاد وحازوا ملكات الفهم، هم الذين يبعث الله منهم على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها، هم ورثة الأنبياء الذين أجمع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها على الإقرار لهم بالعلم والفضل والدراية والهداية.

وهم أورع الخلق الذين حجزتهم التقوى عن كتم الحق طلبا لدنيا أو مداهنة لسلطان، بل كان الواحد منهم يعرض نفسه على الجنة والنار قبل أن يتكلم بالكلمة، هم الذين امتثلوا قول الحق جل وعلا: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} [الأحزاب: 39] .

هم الذين ما قدموا عقولهم على الكتاب والسنة، بل قالوا إن أقوالهم بمثابة الدليل إلى الدليل، وأمروا بترك أي قول لهم يخالف السنة، ونزهوا دين الله تعالى من أي خطأ قد يقع فيه أحدهم، وزجروا الناس عن اتباع رخصة كل عالم أو زلة أي عالم، وقالوا؛ إن كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت