فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 113

حدث عنهم ولا حرج، فلو أنهم اعترفوا بالضعف والجبن والتقصير لهان الأمر، ولكنهم أبوا إلا أن يمسخوه ليصير عاجزا ضعيفا قاصرا موافقا لما جبلوا عليه من ضعف وعجز وجبن وتقصير، ولم يستحوا من صنيعهم هذا الشنيع، بل ادعوا أنهم بذلك أعمق فهما وأسلم طريقة وأدق عملا، ويضيع دين الله ولا يهم، المهم أن تبقى صورتهم هم قادة ومفكرين، فلاسفة ومنظرين.

حدث عنهم ولا حرج، فإنهم يهدمون الإسلام ويدعون أنهم يشيدون بنيانه، يطعنون الإسلام ويدعون أنهم يحمون ظهره، يمزقون الإسلام ويدعون أنهم يرتقون ما فتقه الزمان ... إنهم يشلون حركته ويجردونه من أسلحته، ويبترون أعضاءه، ثم يرمون به ممزق الأشلاء مكبل الأطراف، في صراع شرس مع جاهلية لا ترحم، فسرعان ما تفتك بهم وبإسلامهم الأعرج المبتور هذا، وتتوالى عليهم الهزائم والنكبات وتحسب كلها على الإسلام الذي يدعون العمل له ولا يفتئون يتحدثون باسمه.

وإنا لنتساءل ...

وهل الإسلام قاصر حتى تفرض عليه هذه الوصايات الفكرية أو الحركية فتحذف وتثبت وتقدم وتأخر وتحرف وتبدل بلا دليل ولا بينة من قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح؟! {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} [الإسراء: 43] .

إن الإسلام يعرف جيدا كيف يعمل، كيف ينسق حركات أبنائه وينظم لهم خطواتهم، كيف يربيهم ويهذبهم، كيف يوجههم ويعلمهم، كيف يضع لهم أولويات أعمالهم وخطط سعيهم، يعرف جيدا كيف يقود معركته مع الجاهلية، متى يقدم ومتى يثبت ومتى يحجم.

وإن أبناءه من علماء الأمة قد وضحوا كل ذلك وبينوه، وسيبقى في كل جيل من العلماء من يقوم بتوضيح ذلك وتبيينه للناس، ولا مكان ولا مجال لهم هاهنا ... فالإسلام غني عنهم وعن وصايتهم وعن نظرياتهم، ولا يريدهم ولا يرضاهم دعاة له أو مجاهدين في سبيل رفعته، إنه يحتاج إلى مسلمين ينقادون له، لا إلى مفترين يحذفون منه ويحرفون فيه.

إن الذين يريدون فرض وصايتهم الجائرة على الإسلام؛ يجب أن نفرض عليهم هم الوصاية، لأنهم قاصرة عقولهم، عقيمة أفهامهم، سقيمة آراؤهم، فلم يستطيعوا لذلك فهم هذا الدين، ولم يستطيعوا الارتفاع إلى سموه ورفعته، فأرادوا منه النزول إليهم، وهل بعد هذا من قصور فهم؟!

إننا نعلم من دين الله تعالى كما علمنا علماء أمتنا؛ أن الجهاد قد يستحيل في وقت لعدم الاستطاعة، فيسقط وجوبه في هذا الحين، ولكن يجب الإعداد والاستعداد، حتى إذا وصلنا لحد الاستطاعة قمنا بالجهاد الواجب.

ونعلم أيضا؛ أن النهي عن المنكر قد يسقط وجوبه إذا غلب على الظن أنه سيترتب عليه ما هو أشد ضررا وأكثر مفسدة، بل يصير النهي عن المنكر هاهنا حرام.

ولكن هذا في موطن دون آخر، وفي واقعة دون أخرى، وفي مكان دون مكان، أما أن نلقي من فوق كاهلنا الجهاد أو الحسبة، قائلين؛ بأنا في مرحلة استضعاف لا تسمح لنا بذلك، ونضع لهذه المرحلة أحكاما جديدة، أو نحيي لها أحكاما منسوخة، فهذه جريمة لا تغتفر، لأن معنى ذلك الإبقاء علينا وعلى ديننا داخل مرحلة الاستضعاف هذه.

إننا بعد اكتمال الديانة؛ مخاطبون بكل أوامرها، مكلفون بكل تكليفاتها فما عجزنا عنه عملنا وسعينا جادين جاهدين من أجل تحصيل الأسباب التي تجعلنا قادرين عليه بإذن الله.

أما أن نتقاعس فرحين بهذا الاستضعاف، راضين بهذا الذل، مقننين لهذا الاستضعاف والذل ومبررين له جاعلين منه الشعار والنشيد والعلم، فبئست الخيانة!

لقد صدق من قال: (ومن يهن يسهل الهوان عليه) ، إن الذين يرتضون بالقول بأنا في مرحلة الاستضعاف، ويقننون لها أحكامها وقواعدها، سيظلون فيها إلى أن يموتوا وتموت دعوتهم، أو يتوبوا من قولهم المحدث هذا ويعودوا إلى الرشد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت