وقد كان لما مات يزدجرد كرهت الفرس أن تولي ابنا له لسوء مذهبه، وقالوا: بهرام ابنه قد نشأ بأرض العرب، لا علم له بالملك! وأجمعوا على أن يملكوا رجلًا غيره ، فسار بهرام في العرب، فلما لقي الفرس هابته، فأخذوا تاج الملك والزينة التي تلبسها الملوك، فوضعوهما بين أسدين، وقالوا لبهرام ولكسرى: أيكما أخذ التاج والزينة من بين هذين الأسدين، فهو الملك. فقالوا لبهرام، فأخذ جرزًا، وتقدم، فضرب الأسدين حتى قتلهما، وأخذ التاج والزينة، فأذعنوا له، وأعطوه الطاعة، فوعدهم من نفسه خيرًا، وكتب إلى الآفاق يعدهم بذلك، ويعلمهم ما هو عليه من العدل، وتوخي عمارة البلاد، وقدم المنذر بن النعمان عليه، فرفع منزلته.
وكان بهرام رجلًا مؤثرًا للهو، متشاغلًا عن الرعية، ثم صار لطلب الصيد واللهو، واستخلف أخاه نرسى على المملكة، فلما بلغ خاقان ملك الترك حال بهرام طمع فيه، فأراد أن يسير نحوه، فبلغ بهرام ذلك، فسار إليه حتى قتله، وكتب إلى رعيته بالفتح، ثم خرج يوما يتصيد، فأمعن في طلب عير، ثم طرحه فرسه في موضع حماة، فمات، فكان ملكه تسع عشرة سنة.
ثم ملك يزدجرد بن بهرام، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكان ليزدجرد هذا ابنان يقال لأحدهما هرمز والآخر فيروز، فغلب هرمز على الملك بعد أبيه، فهرب فيروز، ولحق ببلاد الهياطلة، وأخبر ملكها بقصته، وبمذاهب أخيه وجوره، فأمده بجيش، فأقبل بهم، وقاتل أخاه فقتله، وشتت جمعه. وملك فيروز، فنال الناس في أيامه جدب وقحط، ومجاعة شديدة، وغاضت الأنهار والعيون، فلم يزل على تلك حالهم ثلاث سنين، ثم خصبت البلاد.
وسار فيروز إلى بلاد الترك ليحارب ملكها، وقد كان الصلح وقع بين الفرس والترك، فلما قرب من البلاد أرسل إليه ملك الترك يسأله الرجوع، ويعظم عليه ترك الوفاء، فلم يقبل، فحفر له خندقًا عميقًا، ثم عماه، فلما قرب منه عبا عسكره واقتحمه، فسقط وجميع جنده في ذلك الخندق، فمات، وحوى ملك الترك أمواله، وأخذ أختًا له. وكان ملكه سبعًا وعشرين سنة.
فلما بلغ الفرس مقتل فيروز أعظموه، فسار رئيس من رؤسائهم يقال له سوخرا في جمع وعدة، حتى لقي ملك الترك، فحاربه، ونال منه، فدعاه ملك الترك إلى الصلح على أن يدفع إليه كل ما حواه من خزائن فيروز، ويرد أخته، ومن في يده من أصحابه، ففعل ذلك، وانصرف عنه. وملك بلاش بن فيروز، وكانت مدته أربع سنين، ثم ملك أخوه قباذ بن فيروز، وكان صغير السن، فترك لسوخرا تدبير المملكة، فلما بلغ وصار في حد الرجال لم يرض بتدبير سوخرا، فقتله، وقدم مهران، ثم إن الفرس أزالت قباذ عن ملكه، وحبسته، وملكت أخاه جامسب بن فيروز، فأقام قباذ في الحبس، وأخوه الملك.
ثم إن أختًا لقباذ دخلت الحبس، فتعرض لها صاحب الحبس، وأطمعته في نفسها، وقالت إنها طامث، ثم دخلت، فأقامت عند قباذ يومًا، ثم لفته في بساط، وأخرجته على عنق غلام جلد، فهرب قباذ يريد ملك الهياطلة، فلما صار بأبر شهر نزل برجل، فأقام عنده، ثم سأله أن يطلب له امرأة، فأتاه بجارية، فوقع عليها، وأعجبه حسنها وجمالها، ثم مضى إلى ملك الهياطلة، فأقام عنده سنة، ثم بعث معه جيشًا، فلما رجع بأبر شهر قال للرجل الذي نزل عنده: ما فعلت تلك الجارية؟ فأتى بها، وقد ولدت صبيًا كأحسن ما يكون من الصبيان، فسماه كسرى أنوشروان. وزحف قباذ إلى بلاده، فغلب على الملك، وقوي أمره، واشتدت شوكته، وغزا بلاد الروم، و كور الكور والطساسيج، وعقد لابنه أنوشروان الملك، ودعاه، فأوصاه بأحسن الوصية وعرفه كل ما يحتاج إليه. وكان ملك قباذ ثلاثا وأربعين سنة.
ثم ملك أنوشروان بن قباذ، فكتب إلى أهل مملكته يذكر لهم وفاة قباذ، ويعدهم من نفسه خيرًا، ويأمرهم بما لهم فيه الحظ، ويوعز إليهم في الطاعة والمناصحة، وعفا عن قوم كانوا يتحملون عليه، وقتل مزدق الذي كان أمر الناس بأن يتساووا في الأموال والحرم، وقتل زراذشت بن خركان لما ابتدع في المجوسية، وقتل أصحابهما، وقدم أهل المملكة والشرف، وغزا بلدانا عدة مما لم يكن في مملكة الفرس، فضمها إلى ملكه.