ومياه العيون النابعة من بعض الصخور ردية لأنها خاشنة، والعيون النابعة من أرض حارة، ومن أرض معادن الحديد والنحاس والفضة والذهب والكبريت والشب والزفت والنطرون، فإن هذه كلها إنما تكون من شدة الحرارة، فلا تكون من هذه الأرضين مياه نافعة مصلحة بل تكون عامتها خاشنة، يعرض منها ومن شربها عسر البول، وشدة الاختلاف.
والمياه التي تنصب عن مواضع مشرفة، ومن تلال ترابية، أفضل المياه وأصحها، وهي حلوة لا تحتاج لكثرة مزاج الشراب، وتكون في الشتاء حارة، وفي الصيف باردة، فهذه حالة المياه النابعة من العيون الغائرة.
وخير هذه المياه السائلة من أفق الشمس، ولا سيما الشرق الصيفي، لأنها بيضاء براقة، طيبة الريح، وكل ما كان من المياه مالحًا، بطيء النضح، خاشنًا، فإن الذين يشربون منه بلا حاجة إليه ليس بنافع لهم، وإن بعض الطبائع والأسقام ربما انتفعت به، وكلما كان طعم المياه إلى الملوحة، فكلها ردية مفسدة، وكل عين تكون سمت شرق الشمس، فماؤها خير المياه.
ثم بعدها العيون التي بين أفق الشمس القيظي والغرب القيظي، وأفضلها المائلة إلى الشرق ثم التي بين مغرب الشمس الشتوي والقيظي، وأرداها العيون التي في ناحية الجنوب، فأما العيون التي تنزل أفق الشرق الشتوي والغرب الشتوي، فما كان منها ناحية الجنوب، فهي ردية جدًا، وما كان منها ناحية الشمال، فهو خير، فمن كان خاشن البطن، فإن المياه الخفيفة الصافية له نافعة، ولمن كان بطنه لينًا لدنا بلغميًا ضاره، فإن المياه المالحة تسهل البطن، فقد أخطأ ومياه الأمطار خفيفة عذبة، والشمس تخطف من الماء رقيقة وخفيفة، وتصعد الماء من الأنهار والبحور والمواضع الرطبة، ولذلك صارت مياه الأمطار تعفن وتنشر رائحة ردية لأنها اجتمعت من رياح شتى، فصارت أسرع عفنًا وتغيرًا، فإن الرطوبة التي تنشفها الشمس متفرقة لا تزال معلقة في الهواء، فإذا اجتمعت كلها، والتفت بالرياح المتضادة اللاقية بعضها بعضًا، أنصبت حينئذ، ولا سيما إذا كانت المقايسة كما ينبغي، وأكثر ما يكون هذا إذا استحكم اجتماع السحاب، واستقبلته ريح أخرى، فمزقته، وإذا تزاحمت سحابة أخرى على السحابة الأولى، وقطعتها، انحدرت حينئذ الرطوبة من ثقلها، وتمزقها الرياح، فتكون الأمطار السابغة، فهذه المياه، أفضل المياه إلا أنه ينبغي أن تكون رائحتها ردية، ويعرض لمن شرب منها البحة والسعال، وثقل الصوت، وإذا طبخت لم يغن عنها الطبخ شيئًا.
وأما المياه التي تكون من الثلوج والجليد، فكلها ردية لأنها، إذا جمدت مرة، لم ترجع إلى طبيعتها الأولى لأن ما كان من الماء خفيفا، عذبًا، صافيًا، نقيًا، أفلت من الجمود، وطار، وما كان من الماء كدرًا بقي على حاله، ويعرف ذلك بأنه لو صير في إناء في أيام الشتاء، وكيل بكيل معلوم، ووضع تحت السماء جمد، فإن وضع في الشمس حتى ينحل ثم كيل ذلك الماء، وجد وقد نقص نقصانًا بينًا، فذلك العلامة أن لطيف الماء يتنفس، ولا يقع عليه الجمود، ولا يتنفس، ولا يبرح وماء الثلوج أردأ المياه، وإذا شرب الناس المياه المختلفة عرض لهم الأسر والحصاة في المثانة، ووجع الخاصرة، ووجع الوركين، وفي الأنثيين أدرة، ولا سيما إذا شربوا من مياه أنهار تنصب من أنهار واسعة، أو من بحيرة ينصب فيها من سيول شتى مختلفة، لأن منها العذب، والمالح، والشبي، ومنها ماء السيل من مواضع حارة، فإذا شربت عرضت الأسقام، واللبن الردي يولد الحجارة في مثانات المرضعين، والنساء لا تصيبهن الحصاة لأن مبالهن واسع.
والقول الثالث في الأزمنة، إذا كانت سقيمة، أو سليمة قال أبقراط: إنه إن كان طلوع الكواكب وغيرها على ما ينبغي، وكانت مياه كثيرة في الخريف، وفي الشتاء يسيرة، ولا يكون الصحو كثيرًا، ولا البرد فوق المقدار، فكانت مياهها معتدلة في الربيع وفي القيظ، كانت سليمة صحيحة، ويصح الهواء.
وإذا كان الشتاء يابسًا شماليًا، والربيع كثير الأمطار جنوبيًا، عرض للناس في الصيف الحمى و