ووثب أهل حمص بعاملهم كيدر بن عبد الله الأشروسني فخرج إليهم في جماعة من الجند فهزموهم، ولحق بحماة وقتلوا من الجند جماعة وصلبوهم، فولى المستعين عبد الرحمن بن حبيب الأزدي حمص فخرج متوجها إليها، فلما كان على أربع مراحل منها توفي، فولى الفضل بن قارن الطبري فقدم البلد، فتلقاه أهله بالسمع والطاعة وشكوا قبح ما كان يعاملهم به كيدر فدخل المدينة، فأقام أيامًا، والبلد ساكن، ثم بلغه انهم يريدون الوثوب عليه، فأخذ جماعة منهم فضرب أعناقهم. ونفى المستعين عبيد الله بن يحيى إلى مكة ثم نفاه منها إلى برقة وكان ذلك في أول سنة 249. ووثب الجند بسر من رأى مرة بعد أخرى، وتحاربوا وتحاملوا على أوتامش وقالوا: أخذ أرزاقنا وأزال مراتبنا وخرجت عصبة من الأتراك والموالي إلى الكرخ فخرج إليهم أوتامش ليسكنهم، فقتلوه، وقتلوا كاتبه شجاع بن القاسم وذلك في شهر ربيع الآخر سنة 249 ونهبت دورهما، فوقع ذلك بموافقة المستعين وكتب إلى الآفاق بلعنه.
ووجه المستعين جعفرًا الخياط لغزو الصائفة سنة 249، ومعه عمر بن عبد الله الأقطع عامل ملطية فلما دخل إلى بلاد الروم استأذنه عمر أن يوغل، وكان في ثمانية آلاف، فأحاط به العدو، فأصيب هو ومن معه في رجب سنة 249.
وولى المستعين علي بن يحيى الأرمني أرمينية في هذه السنة، وكان أمرها قد اضطرب، فصار إلى ميافارقين وأغارت الروم وتوسطت بلاد المسلمين فاجتمع قوم من أهل ذلك البلد إلى علي بن يحيى فكلموه في لقاء الروم، ورفعوه فخرج معهم، فلقي عسكر الروم فقاتل قتالًا شديدًا، فقتل، وأخذ الروم بدنه، وعدوه فتحًا عظيمًا لما كان قد أشجاهم.
ووثب أهل حمص بالفضل بن قارن الطبري عاملهم في هذه السنة، واستجاشوا عليه بإحياء كلب، فتحصن منهم بقصر خالد بن يزيد بن معاوية وقد كان جدده فحاصروه وغاله من كان معه وأسلمه، فأخذوه وذبحوه وصلبوه على باب الرستن ولما قتلوه خافوا عامل دمشق فزحفوا إليه، وهو نوشرى بن طاجيل التركي فوجه إليهم بعسكر من البابكية وغيرهم، فهزموهم، وانصرفوا إلى حمص.
ووجه المستعين موسى بن بغا الكبير في ستة آلاف من الموالي إلى حمص فلما بلغها خرج إليه رجل يقال له دابر العفار في خلق عظيم من كلب وغيرهم، فحاربه، فكانت عليهم، ودخل موسى حمص عنوة وأباحها ثلاثة أيام، فانتهبت، وطرحت النار في منازلها، فانتهبت أموال التجار وكان الواثب بحمص غطيف بن نعمة الكلبي.
ووثب أيضًا بالمعرة المعروف بالقصيص، وهو يوسف بن إبراهيم التنوخي فجمع جموعا من تنوخ، وصار إلى مدينة قنسرين فتحصن بها، فلم يزل بها حتى قدم محمد المولد، مولى أمير المؤمنين فاستماله واستمال غطيف بن نعمة وصار إليه، ثم وثب بغطيف بن نعمة فقتله وهرب القصيص فصار إلى جبل الأسود واجتمعت قبائل كلب بناحية حمص على الامتناع على المولد فسار إليهم فواقعهم، فكانت عليهم، ثم وثبوا عليه، فهزموه، وقتلوا خلقًا عظيمًا من أصحابه، وانصرف إلى حلب في فله، ورجع القصيص إلى قنسرين، وجرت بينه وبين كلب محاربة وعزل المولد وولي أبو الساج الأشروسني وكتب إلى القصيص يؤمنه وصير إليه الطريق والبذرقة ثم ولاه اللاذقية ونحوها.
وكان يحيى بن عمر بن أبي الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بسر من رأى فأتى بعض الولاة في حاجة، فلقيه بما لا يحب، فخرج إلى الكوفة واجتمع إليه الناس، فوثب بالكوفة وفتح الحبس، وأطلق من كان فيه، وأخرج عامل الكوفة وقوي أمره، وكثر أتباعه، فوجه المستعين رجلًا من الأتراك يقال له كلكاتكين ووجه محمد بن عبد الله بن طاهر بالحسين بن إسماعيل قرابته، وزحف يحيى بن عمر في خلق عظيم وجماعة كثيرة، فالتقوا بموضع يقال له شاهي، بين الكوفة وبغداد لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة 249، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انهزم أصحاب يحيى عنه، وقتل في المعركة وحمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر فوضع بين يديه في ترس ودخل الناس يهنئونه، فقال له رجل من بني هاشم: إنك لتهنأ بما لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرة لعزي به.