وخلع أهل حمص سنة 190، ووثبوا على واليهم، فخرج الرشيد نحوهم، فلما صار بمنبج لقيه وفدهم يعطون بأيديهم ويسألون الإقالة، فعفا عنهم، ونفذ إلى بلاد الروم، فغزا الصائفة، وفتح هرقلة والمطامير.
وحجت أم جعفر بنت جعفر بن المنصور في هذه السنة، وهي سنة 190، فنال الناس عطش شديد، وغارت زمزم حتى لم يوجد فيها من الماء إلا القليل، وحفرت زمزم، فنزل فيها عدة أذرع، فكان الماء زاد يسيرًا، وكان مقدار رشاء زمزم ثماني عشرة ذراعًا، فحفر فيها تسع أذرع ليزيد، فكان أول ما حفر في زمزم.
واجتمع عند الرشيد عمه، وعم أبيه، وعم جدة، سليمان بن جعفر عمه، والعباس بن محمد عم أبيه، وعبد الصمد بن علي عم جده، فقال عبد الصمد بن علي: أحمد الله، يا أمير المؤمنين، على نعمة عليك، فقد جمع لك ما لم يجمع لخليفه قبلك، ثم جمع لك عمك، وعم أبيك، وعم جدك.
وكان الغالب على الرشيد يحيى بن خالد بن برمك، وجعفر والفضل ابناه، صدرًا من خلافته حتى ما كان له معهم أمر ولا نهي، فأقاموا على تلك الحال وأمور المملكة إليهم سبع عشرة سنة، ثم كان الفضل بن الربيع يغلب عليه، وإسماعيل بن صبيح، وعلى شرطة القاسم بن نصر بن مالك، ثم عزله وولى خزيمة بن خازم، ثم عزله وولى المسيب بن زهير الضبي، ثم عزله واستعمل عبد الله بن مالك، ثم عزله واستعمل علي بن الجراح الخزاعي، ثم عزله واستعمل عبد الله بن خازم، وكان على حرسه جعفر بن محمد بن الأشعث، ثم عزله واستعمل عبد الله بن مالك، ثم هرثمة بن أعين، وكان حاجبه الفضل ابن الربيع.
وخرج هارون إلى خراسان في شعبان سنة 192، فنزل قرماسين، فصار بها شهر رمضان وضحى بالري، فلما صار إلى جرجان كتب إلى عيسى بن جعفر بالخروج إليه، فخرج إليه عيسى، فلما صار في بعض الطريق توفي.
فحدثني شيخ من آل المهلب كان مع عيسى بن جعفر قال: دخلنا إليه يومًا، وقد اشتدت علته، فسمعناه يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي! فقلنا له: إنك بحمد الله اليوم صالح. فقال: إني دققت ما يخرج من أذني، فوجدته رميما، حتى أغمي عليه، وسمع النساء بكاء الرجال، فغلبن الخدم، وخرجن فأفاق ورفع رأسه، فنظر إليهن وقال:
قد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فاليوم جئن برزن للنظار
ثم قضى من ساعته، فلما بلغ الرشيد خبر وفاته، اشتد جزعه عليه، فدخل على جارية، فقالت: يا أمير المؤمنين إن عيسى كان يريد بك ما صار إليه، فأحاقه الله به، وهذا مسرور وحسين يعلمان ذلك. فقالا: صدقت! فتسلى ودعا بالطعام، وصار هارون إلى طوس، فنزل قرية يقال لها سناباذ، وهو شديد العلة، وتوفي مستهل جمادى الأولى سنة 193، وهو ابن ست وأربعين سنة، وصلى عليه ابنه صالح بن هارون، وكان المأمون قد نفذ إلى مرو قبل ذلك بثلاثة وعشرين يومًا، وجاء نعيه من طوس إلى مدينة السلام يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، وخلف من الولد اثني عشر ذكرا: عبد الله المأمون، ومحمدًا الأمين، والقاسم، وأبا إسحاق المعتصم، وأبا عيسى، وأبا العباس، وعليًا، وصالحًا، وأبا يعقوب، وأبا علي، وأبا أحمد، وأبا أيوب، وكل مكنى من بني هاشم فاسمه محمد.
وأقام الحج في ولايته سنة 170 هارون الرشيد، سنة 171 عبد الصمد بن علي، سنة 172 يعقوب بن المنصور، سنة 173 الرشيد، سنة 174 وسنة 175 الرشيد، سنة 176، سليمان بن أبي جعفر، سنة 177 الرشيد، سنة 178 محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، سنة 179 الرشيد، وكان قد اعتمر فلم يزل معتمرا حتى حج، فانصرف إلى البصرة، سنة 180 موسى بن عيسى، وجهه هارون من الرقة، سنة 181 الرشيد، سنة 182 موسى بن عيسى، سنة 183 العباس بن موسى، سنة 184 إبراهيم بن المهدي، سنة 185 منصور بن المهدي، سنة 186 الرشيد، سنة 187 عبد الله بن العباس بن محمد، سنة 188 الرشيد، وهي آخر حجة حجها، ولم يحج بعده خليفة، سنة 189 العباس بن موسى بن عيسى، سنة 190 عيسى بن موسى الهادي، سنة 191 الفضل بن العباس بن محمد بن علي، سنة 192 العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر.