أفحش لؤما من قابل سعايته ولن تخلو من أن تكون حاسد نعمه فلا نشفي غيظك أو عدوا فلا نعاقب لك عدوك ثم أقبل على الناس فقال لأعلمن ما تنصح لنا متنصح إلا بما لله فيه رضي وللمسلمين صلاح فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب من استتر عنا لم نكشفه ومن أبدانا طلبنا توبته ومن أخطأ علينا أقلناه عثرته إني أرى التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة والسلامة مع العفو أكثر منها مع العاجلة والقلوب لا تبقى لوال لا يعطف إذا استعطف ولا يعفو إذا قدر ولا يغفر إذا ظفر ولا يرحم إذا استرحم من قلت رحمته واشتدت سطوته وجب مقته وكثر مبغضوه. وكان المهدي قد ألح في طلب الزنادقة وقتلهم حتى قتل خلقا كثيرًا فبلغه أن صالح بن أبي عبيد الله كاتبه زنديق فأحضره فلما صح عنده أمره استتابه فقال لا رغبة عما أنا عليه ولا حاجة في غيره فأمر المهدي أبا عبيد الله أباه أن يقوم فيضرب عنقه فقام فأخذ السيف ثم دنا من ابنه فلما رفعه رجع فقال يا أمير المؤمنين إني قمت سامعًا مطيعًا وأنه أدركني ما يدرك الرجل في ولده فأمره فجلس ثم أمر بضرب عنقه بين يديه ثم أملى عليه كتابًا وهو ينظر إلى ابنه مقتولًا ثم قال إن كنت كرهت قتل عدو لله كافر به فأبعدك الله فلما قام أبو عبيد الله قال بعض الجلساء ما أحسب هذا يطيب قلبه أبدا فقال كذلك والله أظنه وإنه لقريب من ابنه ثم كانت السخطة عليه وصير مكانه يعقوب بن داود وأتى بصالح بن عبد القدوس فاستتابه فتاب فلما خرج من عنده ذكر له قوله:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
قال وإنك لتقول هذا فرده فضرب عنقه ولم يستتبه ووثب أهل الحوف بمصر سنة 168 فخرج إليهم موسى بن مصعب وكان العامل بها فقاتلهم قتالًا شديدًا وكان صاحب علمه هاشم بن عبد الرحمن ابن معاوية بن حديج السكوني فنكس العلم وانهزم ومال أهل الخوف على موسى بن مصعب فقتلوه فولى المهدي الفضل بن صالح الهاشمي فلم يرد البلد إلا بعد وفاة المهدي.
وكان الغالب على المهدي صدر خلافته معاوية بن عبد الله المعروف بأبي عبيد الله مولى الأشعريين ثم وقف منه على خيانة وصير مكانه يعقوب بن داود وكان يعقوب جميل المذهب ميمون النقيبة محبًا للخير كثير الفضل حسن الهدى ثم عزله وسخط عليه فحبسه فلم يزل محبوسًا حتى مات المهدي وصير مكانه محمد بن الليث صاحب البلاغة.
وكان علي بن يقطين والحسن بن راشد يغلبان على أموره وكان على شرطته نصر بن مالك ثم مات نصر فولى أخاه حمزة بن مالك ثم عزله وولي عبد الله بن مالك وكان على حرسه محمد بن إبراهيم ثم عزله واستعمل مكانه أبا العباس الطوسي وكان حاجبه الربيع مولاه وكان قضاته ابن علاثة العقيلي وعافية بن يزيد الأزدي وعلى الكوفة شريك بن عبد الله وعلى البصرة عبيد الله بن الحسن العنبري وعلى المدينة عبد الله بن محمد بن عمران التيمي وكان أول قاض قضى بها من قبل خليفة وعلى مصر عبد الله بن لهيعة الحضرمي ثم استعمل ابن اليسع الكندي من أهل الكوفة ثم غوث بن سليمان الحضرمي من أهل مصر ثم المفضل بن فضالة القتباني.
وأصاب الناس في آخر سنة 168 ودخول سنة 169 وباء وموت كثير وظلمة وتراب أحمر كانوا يجدونه في فرشهم وعلى وجوههم.
وخرج المهدي من بغداد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 169 إلى الجبل فنزل قرية يقال لها الرذ من أرض ماسبذان وخرج يتصيد فأقام سائر يومه يطرد واتبعت الكلاب ظبيًا وأمعن في الطلب واقتحم الظبي باب خربة ومرت الكلاب واقتحم به الفرس في أثره فصدمه باب الخربة وحمل إلى مضاربه فتوفي لثمان بقين من المحرم سنة 169 وهو ابن ثمان وأربعين. وحكي أنه أصبح ذات يوم فقال لعلي بن يقطين ولجماعة جلسائه أصبحت اليوم جائعا فأتي بخبز ولحم بارد فأكله وأكل القوم معه ثم قال إني داخل هذا البهو فنائم فيه فلا تنبهوني حتى انتبه فدخل فنام ونام القوم في الرواق فما راعهم إلا بكاؤه فتبادروا إليه وسألوه عن حاله فقال أرأيتم ما رأيت قالوا ما رأينا شيئًا قال رأيت شيخًا لو رأيته بين مائة ألف لعرفته وهو آخذ بعضادة البهو وهو يقول:
كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ركنه ومنازله
وصار عميد القصر من بعد بهجة ... وملك إلى قبر علته جنادله