العباد ويحذرك الحسرة والندامة والفضيحة في القيامة قبل حلول الموت وعاقبة الفوت حين تقول رب لو لا أخرتني إلى أجل قريب هيهات أين منك المهل وقد انقضى عنك الأجل وتقول رب ارجعني لعلي أعمل صالحًا فحينئذ ينقطع عنك أهلك ويحل بك عملك فترى ما قدمته يداك وسعت فيه قدماك ونطق به لسانك واستركبت عليه جوارحك ولحظت له عينك وانطوى عليه غيبك فتجزي عليه الجزاء الأوفى إن شرا فشرا وإن خيرًا فخيرًا فلتكن تقوى الله من شأنك وطاعته من بالك استعن بالله على دينك وتقرب به إلى ربك ونفسك فخذ منها ولا تجعلها للهوى ولن تعمل الشر قامعا فليس أحد أكثر وزرًا ولا أعز إثمًا ولا أعظم مصيبة ولا أجل رزيئة منك لتكاثف ذنوبك وتضاعف أعمالك إذ قلدك الله الرعية تحكم فيهم بمثل الذرة فيقتضون منك أجمعون وتكافي على أفعال ولاتك الظالمين فإن الله يقول إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون فكأني بك وقد أوقفت بين يدي الجبار وخذلك الأنصار وأسلمك الأعوان وطوقت الخطايا وقرنت بك الذنوب وحل بك الوجل وقعد بك الفشل وكلت حجتك وقلت حيلتك وأخذت منك الحقوق وأقتاد منك المخلوق في يوم شديد هوله عظيم كربه تشخص فيه الأبصار لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع فما عسيت أن يكون حالك يومئذ إذا خاصمك الخلق واستقضى عليك الحق إذ لا خاصة تنجيك ولا قرابة تحميك تطلب فيه التباعة ولا تقبل فيه الشفاعة ويعمل فيه بالعدل ويقضي فيه بالفضل قال الله لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب فعليك بالتشمير لدينك والاجتهاد لنفسك فافكك عنقك وبادر يومك واحذر غدك واتق دنياك فإنها دنيا غادرة موبقة ولتصدق لله نيتك وتعظم إليه فاقتك وليتسع إنصافك وينبسط عدلك ويؤمن ظلمك وواس بين الرعية في الاحتكام واطلب بجهدك رضي الرحمن وأهل الدين فليكونوا أعضادك وأعط حظ المسلمين من أموالهم ووفر لهم فيأهم وتابع أعطياتهم عليهم وعجل بنفقاتهم إليهم سنة سنة وشهرا شهرًا وعليك بعمارة البلاد بتخفيف الخراج واستصلح الناس بالسيرة الحسنة والسياسة الجميلة وليكن أهم أمورك إليك تحفظ أطرافك وسد ثغورك وإكماش بعوثك وارغب إلى الله عز وجل في الجهاد والمحاماة عن دينه وإهلاك عدوه بما يفتح الله على المسلمين ويمكن لهم في الدين وابذل في ذلك مهجتك ونجدتك ومالك وتفقد جيوشك ليلك ونهارك واعرف مراكز خيلك ومواطن رحلك وبالله فليكن عصمتك وحولك وقوتك وعليه فليكن ثقتك واقتدارك وتوكلك فإنه يكفيك ويغنيك وينصرك وكفى به مؤيدًا ونصيرًا وأمره بعد ذلك بأمور يطول الكتاب بها فاقتصرنا على صدر الوصية.
وأظهر جزعًا شديدًا على المنصور ووردت الوفود عليه يعزونه فجعل كل قوم يقولون بما أمكنهم حتى دخل شبيب بن شيبة فعزاه ثم قال يا أمير المؤمنين إن الله لم يرض لك إذ قسم لك الدنيا إلا بأسناها وأرفعها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي الله لك من الدنيا وعليك بتقوى الله فإنها عليكم نزلت ومنكم أخذت وإليكم ردت.
وقدم الربيع مستهل المحرم ومعه مفاتيح الخزائن فجلس المهدي للناس في النصف من المحرم وأمر الربيع فأحضر دفتر القبوض ووجه إلى كل من كان أبو جعفر قبض شيئًا من ماله فأحضره وأقبل عليهم فقال إن أمير المؤمنين المنصور كان بما حمله الله من أموركم وقلده من رعايتكم يدبر عليكم كما يدبر الوالد البر على ولده وكان أنظر لكم منكم لأنفسكم وكان يحفظ عليكم ما لا تحفظون على أنفسكم فحرس لكم من أموالكم ما لم يأمن ذهابه وهذه أموالكم مبارك لكم فيها فخللوا أمير المؤمنين من إبطائها عنكم ثم أمر بإخراج من في المحابس من الطالبيين وغيرهم من سائر الناس فأطلقهم وأمر لهم بجوائز وصلات وأرزاق داره ثم أطلق سائر الناس ولم يطلق أحدًا إلا وكساه ووصله على قدره حتى بلغ إلى عبد الله بن مروان وكان في الحبس من أيام أبي العباس فأمر بتخلية سبيله وأعطاه عشرة آلاف درهم فقال له عيسى بن علي إن في أعناقنا بيعة له وقد كان هذا الرجل ولي عهد أبيه وأنت أعلم وقد كان وهب لكاتبي جوهرًا قيمته ثلاثون ألفًا.