العساكر. وقدم قحطبة العراق فوافى به عسكرا ليزيد بن هبيرة، واستباحة، وصار إلى الزاب، وهو من الفلوجة العليا، على رأس أربعة وعشرين فرسخًا من الكوفة، فلقي يزيد بن عمر بن هبيرة ليلة الخميس لسبع خلون من المحرم سنة 132، فاقتتلوا ساعة من الليل، ثم انهزم ابن هبيرة، حتى رجع إلى واسط، فتحصن بها، فلما فرغ قحطبة من قتاله قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي، ثم قال: أيها الناس، أنا والله ما خرجنا إلا لإقامة الحق وإزالة دولة الباطل، وقد أعلمتكم أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أعلمني أن ألقى نباتة بن حنظلة الكلابي، وعامر بن ضبارة المري، فأهزمهما واستبيح عسكرهما، وأقتل مقاتلتهما، وأنبأتكم بذلك قبل كونه، وقد رأيتم صدق ما خبرتكم، وإن الإمام أعلمني أن لا أعبر الفرات، وإنكم تعبرونه، فلا يفقد من الجيش أحد غيري، وإنه والله لا كذب فيما قال فإذا فقدتموني فأمير الناس حميد بن قحطبة، فإن غاب فالحسن بن قحطبة، والسلام على من اتبع الهدى، ورحمة الله وبركاته.
فلما كان السحر عبروا الفرات، وكان في أيام المد وكثرة الماء، فلما أصبحوا فقدوا قحطبة، فلم يعرفوا له خبرًا، وقالوا: غرق، وقالوا: سقط عليه جرف، وقالوا: غار به فرسه، وكان أبو مسلم قد كتب إليه... من الكوفة: أني قد أعددت لك من المنازل، فكتب إليه قحطبة: أيها الوزير لئن لقيتك إذا إن لبني أمية بعد لبقاء.
وانهزم ابن هبيرة بعد أن غرق قحطبة، فلما بلغ مروان الخبر قال: هذا والله الإدبار، وإلا فمن سمع بميت يهزم حيًا؟ وسار حميد بن قحطبة حتى دخل الكوفة بعد ما فقد قحطبة بأربع ليال، وقد أخذ محمد بن عبد الله القسري الكوفة لبني هاشم، وأظهر دعوتهم، وشرد من كان بها من بني أمية وأصحابهم، وأظهر السواد، وغلب سفيان بن معاوية ابن يزيد بن المهلب على البصرة وسود، ودعا إلى بني هاشم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، واستعمل العمال، ووجه الحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة، وأتبعه بمالك بن الهيثم، وأمرهما أن يحاصراه، فأناخ الحسن على المدينة الغربية، ومالك على الشرقية، ووجه هشام بن إبراهيم مولى بني ليث إلى عبد الواحد ابن عمر بن هبيرة، وكان عامل أخيه على الأهواز، فقاتله حتى فض جمعه، ثم انهزم عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فلحق بسلم بن قتيبة الباهلي، وهو عامل يزيد بن عمر على البصرة.
وقدم أبو العباس وإخوته وأهل بيته الكوفة في المحرم سنة 132، فصيرهم أبو سلمة في دار الوليد بن سعد في بني أود، وكتم أمرهم، فلم يطلع على خبرهم أحد، فأقاموا في تلك الدار شهرين، حتى لقي أبو حميد غلامًا لهم، فسأله عنهم، فأخبره بسوء ضعفهم، فصار إليهم وهم في، فقال: أيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية؟ فأشير له إلى أبي العباس، فسلم عليه بالخلافة، فمضى، فأحضر أصحابه، وأخرج أبا العباس، وبايع الناس له، فلما بلغ أبا سلمة الخبر جاءهم ركضا حتى لحقهم، فقال له: عجلتم، وأرجو أن يكون خيرًا. وصار أبو العباس إلى المسجد، فخطب وصلى.
ووجه أبو العباس عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس لقتال مروان، فلقيه بالزاب بالقرب من الموصل، وإنما كان قصد مروان إلى الزاب لأن بني أمية كانت تروي في ملاحمها أن المسودة لا يجوز سلطانهم الزاب، فكانوا يتوهمون أنه زاب الموصل، فقصده مروان، وهو يرى أنه لا يجوزه، وإنما ذلك زاب بأقاصي الغرب، فحاربه عبد الله بن علي، فهزمه، ثم لم يزل في أثره، وهو منهزم لا يلوي على شيء، حتى أخرجه إلى الجزيرة، ثم أخرجه من الجزيرة إلى الشام، فجعل لا يمر بجند من أجناد الشام إلا انتهبوه، حتى صار إلى دمشق، وهو مضمر أن يتحصن بها، فانتهبه أهل دمشق، ووثب عليه من بها من قيس، فدخلها عبد الله بن علي عنوة، وقتل الوليد بن معاوية بن مروان ابن عبد الملك، خليفة مروان بها، ومضى مروان إلى فلسطين هاربًا، فلحقه عبد الله بن عبد الملك، فأسره عبد الله بن علي، وأسر معه عبد الله بن يزيد بن عبد الملك، فوجه بهما إلى أبي العباس، فصلبهما بالحيرة.