وقدمت الحرورية المدينة لعشر بقين من صفر، وهرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وغلب أبو حمزة على المدينة، وخطبهم خطبة مشهورة، وكان أهل المدينة يصلون خلفه، ويعيدون الصلاة، ثم ساروا يريدون الشام، ولقيهم خيل لمروان عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فأوقعوا بهم بوادي القرى، فزحف الحرورية منهزمين إلى المدينة، فخرج إليهم أهل المدينة، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ووافاهم ابن عطية، فانهزموا، فأتبعهم إلى مكة، ثم اتبعهم إلى اليمن حتى قتل عبد الله بن يحيى، ودنوا من صعدة فقتل فيهم حتى وطئ الناس عليهم، ثم دخلوا صنعاء، فأتاه كتاب مروان بتولية الموسم، فخرج، فلما صار في بعض الطريق توفي في عسكره.
وأراد مروان أن ينفذ إلى العراق، فأتاه خبر أهل حمص انهم عصوا، فصار إليهم، فوضع عليها المنجنيق حتى هدم سورها، فطلبوا الأمان، فأمنهم إلا ثلاثة نفر لم يؤمنهم وقتلهم.
وكان منصور بن جمهور لما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة العراق هرب حتى أتى السند، وكان ابن عرار عامل السند قرابة له، فصار خلف النهر، وأرسل إليه ابن عرار ألا تبرح مكانك! فرد عليه: إنما أردت المقام قبلك، فلا وصل الله رحمك، ولا قرب قرباك، وستعلم بعد، ثم عمل المراكب بسدوسان وحملها على الإبل حتى ألقاها في مهران، ثم لقي ابن عرار، فحاربه حتى هزمه إلى المنصورة، وحصره منصور بن جمهور، فطلب ابن عرار الأمان، فقال: لا أعطيك الأمان إلا حكمي، فنزل على حكمه، فأمر فبنيت عليه أسطوانة، وهو حي، وأقام منصور بالمنصورة، وبعث أخاه منظورًا إلى قندابيل والديبل. ولم يزل منصور مقيما بالسند حتى ظهر أبو مسلم بخراسان، ووجه أبو مسلم برجل يقال له مغلس من أهل سجستان إلى السند، فلما أظلهم وثب أصحاب منظور أخي منصور بن جمهور، فقتلوه، وكتبوا إلى مغلس فأتاهم، فلقيه منصور بن جمهور، فقاتله، فهزمه، وأسر مغلس، فأتي به منصور، فقتله وقتل أكثر قتلة أخيه.
واشتدت شوكة الكرماني بخراسان، ودامت الحرب بينه وبين نصر بن سيار، وظهر الكرماني على نصر بن سيار، وكان أبو مسلم الغالب على أمر الكرماني، فحدثني جماعة من أشياخنا أن أبا مسلم كان يقول: إذا التقى الكرماني ونصر بن سيار للقتال اللهم افرغ عليهما الصبر، وانزع عنهما النصر. وطعن الكرماني فقتل، وصلبه نصر، وغلب أبو مسلم على عسكره، وظهر أمره، واستكثف جمعه، وجاد نصر بن سيار القتال حتى فله مرارًا، وأظهر دعوة بني هاشم، وكان ذلك في شهر رمضان سنة 129.
ووثب سليمان بن حبيب بن المهلب بالأهواز، فوجه إليه يزيد بن عمر ابن هبيرة نباتة بن حنظلة الكلابي، فاقتلوا قتالًا شديدًا، ثم انهزم سليمان، فلحق بفارس، فوجه يزيد بن عمر عامر بن ضبارة المري إلى فارس.
وضعف أمر نصر بن سيار بخراسان، وقوي أمر أبي مسلم، فكتب نصر إلى مروان يصف له حاله، وضعف من معه، وقوة أبي مسلم، وظهوره، وكتب في آخر كتابه:
أرى بين الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تورى ... وإن الفعل يقدمه الكلام
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟
فكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة عامله على العراق أن يمد نصر بن سيار بالرجال، فقعد يزيد، ثم تابع مروان الكتب إليه بالوعيد، فوجه بابنه داود بن يزيد في جيش عظيم، فيه عامر بن ضبارة المري، والجويرية بن إسماعيل، ونباتة بن حنظلة الكلابي، وكان داود بن يزيد بن عمر حدث السن، فكتب مروان إلى ابن هبيرة ينكر عقده لابنه داود لحداثة سنة، ويأمره أن ينفذ إليه من يحل لواءه، ويعقد لعامر بن ضبارة المري على الجيش، ففعل ابن هبيرة ذلك، ونفذ الجيش، وعلى المقدمة نباتة بن حنظلة الكلابي.