وبعث مسلمة على خراسان سعيد بن عبد العزيز، فقصد السغد، فحاربهم محاربة شديدة، وأقام بسمرقند، فجاءته ملكة فرغانة، فقالت: إني أدلك على شيء فيه الظفر على أن تجعل لي ألا تغزي إلي جيشًا، فأعطاها ما سألت، فقالت: إن السغد قد خلوا عن أرضهم، ونزلوا خجندة، وطلبوا إلينا أن ندخلهم بلادنا حتى يصالحوا العرب، أو يكون غير ذلك، وليس لهم في خجندة طعام ولا شراب ولا عدة لحصار، فإن أردتهم فالساعة. فبعث سعيد بن عبد العزيز سورة بن الحر الدارمي في الخيل ولحقهم بنفسه، فحصرهم في المدينة، فلما تخوفوا الهلاك دعوا إلى الصلح على أن يرجعوا إلى بلادهم، فقال: علي أن تخرجوا عن آخركم، فحفر لهم خندقًا، فقال: اخرجوا! فخرجوا جميعًا إلا رجلًا منهم يقال له جليح، ثم خرج بالسلاح، وحارب المسلمين، وحارب معه قوم، فوثب عليهم سعيد والمسلمون، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، وكبس بهم الخندق، وسبى الذرية، وغنم ما لم يغنم مثله.
وولى يزيد بن عبد الملك عمر بن هبيرة العراق مكان مسلمة، في هذه السنة، بعد انقضاء حرب ابن المهلب، وقتلهم، فلقي جماعة من آل المهلب في الحديد قد وجه بهم مسلمة، فقال للرسل: ردوهم! فقالوا: لا نفعل. قال: إن مسلمة يوم وجه بكم أميركم... فردوهم معه، وكتب إلى يزيد كتابا حسنا في أمرهم، وأن الصنيعة فيهم عامة لقومهم فكتب إليه يزيد: وما أنت وذاك؟ لا أم لك فعاوده، وكتب إليه: ما هم لي بعشيرة، وما أردت إلا النظر لأمير المؤمنين في تألف عشائرهم لئلا تفسد قلوبهم وطاعتهم فكتب إليه: بارك الله لك في ودهم إن كنت أردت ذاك.
وأقر عمر بن هبيرة سعيد بن عبد العزيز على خراسان، فوجد رسلا لأبي رباح ميسرة داعية بني هاشم في زي التجار، فقيل إنه دعاهم، فسألهم عن حالهم، فقالوا: نحن تجار، فخلى سبيلهم، فخرجوا من خراسان.
وظهر يزيد بن جرهم الداعية، وبلغ عمر بن هبيرة الخبر، فعزله وولى خراسان مسلم بن سعيد الكلابي، فقدم خراسان، فغزا بالناس، فلم يصنع شيئًا، فلما انصرف راجعًا من فرغانة تبعته الترك وأهل فرغانة، فقاتلوه قتالًا شديدًا وكان قد استعمل نصر بن سيار على بلخ، فكتب إليه أن يمده بالرجال، وأن يحشر الناس إليه، فدعاهم نصر بن سيار إلى ذلك، فأبوا عليه وقاتلوه، وكانت بينهم وبين نصر وقعة تسمى وقعة البروقان.
واستعمل يزيد على المدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وكتب إليه يأمره أن يجمع بين عثمان بن حيان المري وبين أبي بكر بن عمرو بن حزم في الحدين اللذين جلدهما أبو بكر عثمان بن حيان، فإن وجد أن أبا بكر ظلمه أقاده منه ففعل، وتحامل على أبي بكر، فجلده حدين قودا بعثمان بن حيان.
وخطب عبد الرحمن فاطمة بنت الحسين بن علي، فأرسل إليها رجالًا يحلف بالله لئن لم تفعلي ليضربن أكبر ولدها بالسياط. فكتبت إلى يزيد كتابا، فلما قرأ كتابها سقط عن فراشه، وقال: لقد ارتقى ابن الحجام مرتقى صعبا من رجل يسمعني ضربه وأنا على فراشي هذا؟ فكتب إلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النضري، وكان بالطائف، أن يتولى المدينة، ويأخذ عبد الرحمن بن الضحاك بأربعين ألف دينار، ويعذبه حتى يسمعه ضربه، ففعل ذلك، فرئي عبد الرحمن وفي عنقه خرقة صوف يسأل الناس.
ووجه يزيد الجراح بن عبد الله الحكمي، فغزا الترك، وفتح بلنجر، وسبى خلقًا عظيمًا في سنة مائة وأربع، وانتهى إلى نهر الروباس، ثم سار حتى انتهى إلى نهر الران، ولقي ابن خاقان صاحب الخزر فقاتله فهزمه، وقتل مقاتلته، وسبى سبيًا كثيرًا. ولما فتح بلنجر سار، فجعل ينزل بلدًا بلدًا يتبع خاقان ملك الخزر، حتى صار إلى نهر دبيل من عمل آذربيجان، فاقتتلوا هناك، وقتل الجراح وجميع أصحابه.
وولي يزيد بن أبي مسلم إفريقية، فقدمها وعبد الله بن موسى اللخمي محبس بها، فقال له: أعط الجند من مالك أرزاقهم لخمس سنين، فقال: لا أقدر على ذلك، فحبسه، وأخذ موالي موسى بن نصير فوسم أيديهم، وردهم إلى الرق، واستخدم عامتهم في حرسه، فوثب عليه غلام منهم يقال له جرير دخل عليه وهو يأكل عنبًا، فقتله، فلما بلغ يزيد بن عبد الملك الخبر ولي بشر بن صفوان الكلبي، فلم يزل مقيما بها ولاية يزيد.