فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 319

وقال: إن المعرفة بكمال المرء تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه، وصبره، وحسن خلقه. وكتب ملك الروم إلى عبد الملك يتوعده، فضاق عليه الجواب وكتب إلى الحجاج، وهو إذ ذاك على الحجاز: أن ابعث إلى علي بن الحسين فتوعده وتهدده وأغلظ له، ثم انظر ما ذا يجيبك، فاكتب به إلي ففعل الحجاج ذلك فقال له علي بن الحسين: إن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة، وأرجو أن يكفينك في أول لحظة من لحظاته. وكتب بذلك إلى عبد الملك، فكتب به إلى صاحب الروم كتابًا، فلما قرأه قال: ليس هذا من كلامه، هذا من كلام عترة نبوته.

ومرض ثلاث مرضات في كل ذلك يوصي بوصية، فإذا برئ وأفاق أنفذها، وقال: كلكم سيصير حديثًا، فمن استطاع أن يكون حديثًا حسنًا، فليفعل.

وكان يقول: ابن آدم لن تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همتك، وما كان لك الخوف شعارًا، والحزن دثارًا.

وكان عبد الملك قد كتب إلى الحجاج، وهو على الحجاز: جنبني دماء آل بني أبي طالب فإني رأيت آل حرب لما تهجموا بها لم ينصروا، فكتب إليه علي بن الحسين: أني رأيت رسول الله ليلة كذا في شهر كذا يقول لي: إن عبد الملك قد كتب إلى الحجاج في هذه الليلة بكذا وكذا، وأعلمه أن الله قد شكر له ذلك، وزاده برهة في ملكه.

وكان له من الولد: أبو جعفر محمد، والحسين، وعبد الله، وأمهم أم عبد الله بنت الحسن بن علي، وعلي، والحسن، والحسين الأصغر، وسليمان، توفي صغيرًا، وزيد.

وذكره يومًا عمر بن عبد العزيز، فقال: ذهب سراج الدنيا، وجمال الإسلام وزين العابدين، فقيل له: إن ابنه أبا جعفر محمد بن علي فيه بقية، فكتب عمر يختبره، فكتب إليه محمد كتابًا يعظه ويخوفه، فقال عمر: أخرجوا كتابه إلى سليمان، فأخرج كتابه، فوجده يقرظه، ويمدحه، فأنفذ إلى عامل المدينة، وقال له: أحضر محمدًا، وقل له: هذا كتابك إلى سليمان تقرظه، وهذا كتابك إلي معما أظهرت من العدل والإحسان. فأحضره عامل المدينة، وعرفه ما كتب به عمر، فقال: إن سليمان كان جبارًا كتبت إليه بما يكتب إلى الجبارين، وإن صاحبك أظهر أمرًا فكتبت إليه بما شاكله وكتب عامل عمر إليه بذلك، فقال عمر: إن أهل هذا البيت لا يخليهم الله من فضل.

ونكث عمر أعمال أهل بيته وسماها مظالم، وكتب إلى عماله جميعًا: أما بعد، فإن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنن سيئة سنتها عليهم عمال السوء، قلما قصدوا قصد الحق والرفق والإحسان، ومن أراد الحج، فعجلوا عليه عطاءه، حتى يتجهز منه، ولا تحدثوا حدثا في قطع وصلب حتى تؤامروني، وترك لعن علي بن أبي طالب على المنبر، وكتب بذلك إلى الآفاق فقال كثير:

وليت فلم تشتم عليًا ولم تخف ... بريا ولم تتبع مقالة مجرم

وأعطى بني هاشم الخمس، ورد فدكا، وكان معاوية أقطعها مروان، فوهبها لابنه عبد العزيز، فورثها عمر منه، فردها على ولد فاطمة فلم تزل في أيديهم حتى ولي يزيد بن عبد الملك، فقبضها. ورد عمر هدايا النيروز والمهرجان، ورد السخر، ورد العطاء على قدر ما استحق الرجل من السنة، وورث العيالات على ما جرت به السنة، غير أنه أقر القطائع التي أقطعها أهل بيته، والعطاء في الشرف لم ينقصه، ولم يزد فيه، وزاد أهل الشام في أعطياتهم عشرة دنانير، ولم يفعل ذلك في أهل العراق، وكان يقول: ما بقي المسلم على جفوة السلطان ونزغة الشيطان لم أر شيئًا أعون له على دينه من إعطائه حقه. فكان يجلس للنظر في أمور المسلمين نهاره كله، فقال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين! نهارك كله مشغول، ذلك جزء من الليل، وأنت تسمر معنا فقال: يا رجاء إن ملاقاة الرجال تلقح لأوليائها، وإن المشورة والمناظرة باب رحمة ومفتاح بركة، لا يضل معهما رأى ولا يقعد معهما حزم.

وكان يقول: لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العاقلين، لأنهم عقلوا عن الله، فاتقوه في أمره ونهيه. وكتب إلى عامله باليمن: أما بعد، فدع ما أنكرت من الباطل، وخذ ما عرفت من الحق بالغا بك ما بلغ، فإن بلغ مهج أنفسنا، فإن الله يعلم أنك إن لم تحمل إلي إلا حفنة من كتم فإني بذلك مسرور، إذا كان موافقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت