وولي سليمان المغرب محمد بن يزيد، مولى قريش، وأمره بتتبع أصحاب موسى وولده وأصحابه، وكان سليمان قد قدم يزيد بن المهلب وخصه وأبره، ودفع إليه أصحاب الحجاج بن يوسف، وموسى بن نصير، وخالد بن عبد الله القسري، ويوسف بن عمر الثقفي، والحكم بن أيوب، وعبد الرحمن بن حيان المري، وأمره أن يعذبهم حتى يستخرج منهم الأموال، وتتبع سليمان أصحاب الحجاج يسومهم سوء العذاب، وأشخص إليه يزيد بن أبي مسلم خليفة الحجاج، وكان قصيرا، خفيف البدن، فلما رآه قال له: أنت يزيد؟ قال: نعم! قال: صاحب الحجاج والأفعال التي بلغتني مما أرى من دمامة خلقتك؟ قال: ذاك والله إنك رأيتني والدنيا عليك مقبلة، وهي عني مدبرة، ولو رأيتها وهي إلي مقبلة، وعنك مدبرة، لاستعظمت ما استصغرت، واستجللت ما استحقرت. قال: أين ترى الحجاج يهوي في النار؟ قال: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين لرجل يحشر عن يمين أبيك وشمال أخيك، وأنزله حيث شئت تنزلهما معه. فقال ليزيد بن المهلب: خذه إليك، فعذبه بألوان العذاب، حتى تستخرج منه الأموال. فقال: يا أمير المؤمنين أنا أعلم به، لا والله ما عنده مال، ولا كان ممن يحوي المال. وكان يزيد بن المهلب يعرف له جميل فعله به، فولاه سليمان الصائفة.
وكان قتيبة بن مسلم عامل الحجاج على خراسان فلما بلغه فعل سليمان بنظرائه، وقصده عمال الوليد، وعمال الحجاج، جمع إليه إخوانه وأهل بيته، وأوغل في أرض العجم، حتى بلغ بلد فرغانة القصوى وكان عبد الله ابن الأهتم التميمي معه، فهرب منه إلى سليمان، فرفع إليه، فأخذ قتيبة قوما من أهل بيته، فقتلهم وقطع أيدي آخرين وأرجلهم، وكان يزيد بن المهلب عدوه لما فعل به وبأهل بيته لما ولي عليه، فعلم أنه لا يصلح له حب سليمان، وكتب إليه كتابا، فأجابه سليمان يغلظ له، فأراد الخلع، وهو لا يشك أن موضعه من النزارية... واليمانية لا يخالفونه، فلما علم القوم مذهبه تبعدوا عنه، فخطبهم خطبة مشهورة، نال فيها، وقال: يا معشر تميم، ويا أهل الذلة والقلة، ويا معشر الأزد! أخليتم السفن، وركبتم الخيل، وقذفتم المرادي، وأخذتم الرماح، والله لأنا بمن معي من العجم أعز منكم! فصاف القوم عنه، وصارت كلمتهم واحدة في الوثوب عليه، واجتمعوا إلى الحضين بن المنذر، فدعوه إلى القيام بجماعتهم، فقال: عليكم بوكيع بن أبي سود التميمي. فأتوا وكيعا، فانقضت كلمتهم عليه، ومع القوم يومئذ حيان النبطي، فوثبوا بقتيبة فقتلوه، وقام وكيع بخراسان، وولي عماله، وكتب إلى سليمان يعلمه ما كان منه، وبعث برأس قتيبة ورؤوس أهل بيته إليه، وذلك في سنة ست وتسعون.
فلما أتى سليمان كتاب وكيع أراد أن يكتب إليه بالعهد على خراسان، فقيل له: إنه رجل ترفعه الفتنة وتضعه السنة، وليس لها بموضع، فولى سليمان يزيد بن المهلب العراق وخراسان، فكان يزيد بن المهلب في العراق، فعذب عمال الحجاج، ثم استخلف على العراق ونفذ إلى خراسان، فتتبع أصحاب قتيبة وقراباته، فسامهم سوء العذاب، وحبس وكيع بن أبي سود، وقيده، وأخذ عماله الذين كان ولاهم البلدان بعد قتل قتيبة، فطالبهم بالأموال التي صارت إليهم، وخالف أكثر أهل خراسان فقصد جرجان، فحاصرها حتى نزلوا على حكمه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وفتحها وحارب أصبهبذ طبرستان، وملك الترك، وملك الديلم، فأقام في محاربة صاحب طبرستان زمانا، ثم عرض وضجر، ثم طلب أن يصالحه، فلم يفعل، فرجع إلى جرجان فأقام بها، ثم خرج منها إلى نيسابور، وولي يزيد إخوته وولده البلدان، فولى مخلدا سمرقند، ومدرك بن المهلب بلخ، ومحمد بن المهلب مرو، وعظم أمر يزيد بخراسان.
واضطرب السند، وأخل الجند الذين كانوا مع محمد بن القاسم الثقفي بمراكزهم، فرجع أهل كل بلد إلى بلدهم، فوجه سليمان حبيب بن المهلب إليها، فدخل البلاد، وقاتل قوما كانوا ناحية مهران، وأخذ محمد بن القاسم، فألبسه المسوح، وقيده وحبسه.
وقدم أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب على سليمان، وقال سليمان: ما كلمت قرشيا قط يشبه هذا، وما أظنه إلا الذي كنا نحدث عنه، فأجازه، وقضى حوائجه وحوائج من معه.