فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 319

ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية.

وتحامل عبد الله بن الزبير على بني هاشم تحاملًا شديدًا، وأظهر لهم العداوة والبغضاء، حتى بلغ ذلك منه أن ترك الصلاة على محمد في خطبته، فقيل له: لم تركت الصلاة على النبي؟ فقال: إن له أهل سوء يشرئبون لذكره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به.

وأخذ ابن الزبير محمد بن الحنفية، وعبد الله بن عباس، وأربعة وعشرين رجلًا من بني هاشم ليبايعوا له، فامتنعوا، فحبسهم في حجرة زمزم، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ليبايعن أو ليحرقنهم بالنار، فكتب محمد بن الحنفية إلى المختار بن أبي عبيد: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن علي ومن قبله من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المختار بن أبي عبيد ومن قبله من المسلمين، أما بعد فإن عبد الله بن الزبير أخذنا، فحبسنا في حجرة زمزم، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو لنبايعنه، أو ليضرمنها علينا بالنار، فيا غوثًا! فوجه إليهم المختار بن أبي عبيد بأبي عبد الله الجدلي في أربعة آلاف راكب، فقدم مكة، فكسر الحجرة، وقال لمحمد بن علي: دعني وابن الزبير! قال: لا أستحل من قطع رحمه ما استحل مني.

وبلغ محمد بن علي بن أبي طالب أن ابن الزبير قام خطيبا فنال من علي بن أبي طالب، فدخل المسجد الحرام، فوضع رحلا، ثم قام عليه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد، ثم قال: شاهت الوجوه، يا معشر قريش، أيقال هذا بين أظهركم وأنتم تسمعون ويذكر علي فلا تغضبون؟ ألا إن عليًا كان سهما صائبا من مرامي الله أعداءه، يضرب وجوههم، ويهوعهم مأكلهم، ويأخذ بحناجرهم. ألا وأنا على سنن ونهج من حاله، وليس علينا في مقادير الأمور حيلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

فبلغ قوله عبد الله بن الزبير، فقال: هذا عذرة بني الفواطم، فما بال ابن أمه بني حنيفة؟ وبلغ محمدًا قوله، فقال: يا معاشر قريش وما ميزني من بني الفواطم؟ أليست فاطمة ابنة رسول الله حليلة أبي وأم إخوتي؟ أ وليست فاطمة بنت أسد بن هاشم جدتي وأم أبي؟ أليست فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم جدة أبي وأم جدتي؟ أما والله لو لا خديجة بنت خويلد لما تركت في أسد عظمًا إلا هشمته، فإني بتلك التي فيها المعاب صبير.

ولما لم يكن بابن الزبير قوة على بني هاشم، وعجز عما دبره فيهم، أخرجهم عن مكة، وأخرج محمد بن الحنفية إلى ناحية رضوى، وأخرج عبد الله بن عباس إلى الطائف إخراجًا قبيحًا، وكتب محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن عباس: أما بعد، فقد بلغني أن عبد الله بن الزبير سيرك إلى الطائف، فرفع الله بك أجرا، واحتط عنك وزرا، يا ابن عم، إنما يبتلي الصالحون، وتعد الكرامة للأخيار ولو لم تؤجر إلا فيما نحب وتحب قل الأجر، فاصبر فإن الله قد وعد الصابرين خيرًا، والسلام.

وروى بعضهم أن محمد بن الحنفية صار أيضا إلى الطائف، فلم يزل بها، وتوفي ابن عباس بها في سنة ثمان وستون، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، ودفن عبد الله بن عباس بالطائف في مسجد جامعها، وضرب عليه فسطاط، ولما دفن أتى طائر أبيض فدخل معه قبره، فقال بعض الناس: علمه، وقال آخرون: عمله الصالح.

قال عبد الله بن عباس: أردفني رسول الله، ثم قال لي: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى! يا رسول الله. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، اذكر الله في الرخاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت