ثم إن أبيشالوم بن داود قتل أخاه أمنون، وذلك أنه اتهمه بأخت له من أمه، فقتله، وخرج على داود، وكان أبيشالوم عظيم الجسم، كثير الشعر، فبعث إليه داود من رده حتى رجع، ثم خرج عليه ثانية، فهرب منه داود ماشيًا على رجليه، حتى صعد عقبة طور سينا، وبلغ منه الجوع حتى لحقه رجل معه خبز وزيت، فأكل منه، ودخل أبيشالوم مدينة أبيه، وصار إلى داره وأخذ سراري أبيه، فوطئهن، وقال: ملكني الله على بني إسرائيل، وخرج ومعه اثنا عشر ألفًا، فطلب داود ليقتله، فهرب داود حتى جاز نهر الأردن، فلما جاز اجتمع إليه جماعة من أصحابه ولفيف من القرى، فوجه يؤاب ولده ليحارب أبيشالوم، وقال له: خذه لي حيًا صحيحًا! فخرجوا، وحاربوه، وكان أبيشالوم على بغل، فدخل تحت شجرة بطم، فتعلق بها، فاندقت عنقه، ورماه يؤاب بثلاثة أسهم، وطرحه في جب، فلما أتى داود الخبر جزع عليه جزعًا شديدًا، ورجع داود إلى موضعه.
وخرج على داود بعد ذلك أزلا، ومعه جبابرة، فحاربهم، فقتلهم، فلما قتلهم، وأنقذه الله منهم، قام يقدس الله ويسبحه، فقال في تقديسه: إياك يا رب أعبد، ولك أخلص محبتي، فإنك قوتي وعدتي، وملجأي و مخلصي، بعد أن أحاطت بي سكرات الموت، وقربت مني، واحتوت على أحداث الهلكة، فدعوتك في ضيقي واستعنت بك يا إلهي، فسمعت صوتي فاستنقذتني من الذين اعتوروني واضطهدوني، وكنت ناصري، فأخرجتني من الضيق إلى الفرج، فما أعدلك يا رب، وأنصرك للمتوكلين عليك، لأنه لا رب غيرك، فألهمني القوة، وبصرني طريق الرشد، وثبت قدمي بين يديك، وشدد ساعدي، ولا تقدر على أعدائي، وهب لي طاعة بني إسرائيل، وصيرهم خولًا خاضعين، وألهمني شكرك.
وكان داود إذا سبح الله بهذا الكلام رفع صوتًا حسنًا لم يسمع مثله، وكان إذا قرأ الزبور قال: طوبى لرجل في سبيل الأثمة لم يسلك، وفي مجالس المستهزئين لم يجلس، ولكن هواه سنة الله، وبسننه تعلم الليل والنهار، يكون كشجرة غرست على شط الماء، تؤتي أكلها كل حين، ولا يتناثر ورقها، وليس كذلك المنافقون في القضاء، ولا الخاطئون في مجمع الأبرار، من أجل أن الله يعلم سبيل الأبرار وسبيل الأئمة يبطل.
ثم يقول: سبح لله من في السماء، وليسبحه من في العلى، ولتسبحه ملائكته كلها، ولتسبحه جنوده كلها، ولتسبح له الشمس والقمر، ولتسبح له الكواكب والنور، وليسبح لاسم ربنا الماء الذي فوق السماء، وذلك بأنه قال لكل شيء: كن فكان، وهو خلق كل شيء وبرأه، وجعلهن دائمات الأبد، وقدر كل شيء منهن تقديرًا، وجعل لهن حدًا ومنتهى لا يجاوزنه، فليسبح الله من في الأرض، والنار، والبرد، والثلج، والجليد، فإنه خلق الريح العاصف بكلمته.
سبحوا الله تسبيحًا حديثًا في مسجد الصديقين، وليفرح إسرائيل بخالقه، وأن بني صيون يكبرون ربكم، ويسبحون اسمه بالدف، والطبل، والكبر، يكبرونه من أجل أن يسر الله بشريعته، ويعطي المساكين النصر، ليشيد الصديقون بالكرامة، ويسبحون على أسرتهم، ويكبرون الله على حناجرهم، وسيف ذو شفيرتين بأيديهم، لينتصروا على الشعوب ويتعظ الأمم فيوثقوا ملوكهم في القيود، وذوي الكرامة بسلاسل من حديد، ليفعل بهم القضاء الذي كتب، والحمد لله لكل الصديقين.
سبحوه في مقدسة، سبحوه في سماء عزته، سبحوه بحوله وقوته، سبحوه بعظمته، سبحوه بصوت العزف، سبحوه بالقيتار والكبر، سبحوه بالبرابط والزمر، سبحوه بالأوتار والكبر الطويل الخليلات، سبحوه في صلاصل السمع، سبحوه بالأصوات العلى والنداء، سبحوا ربنا تسبيحًا خالصًا، كل نفس بنفس. ثم يقول داود في آخر الزبور: إني كنت آخر إخوتي وعبد بيت أبي، وكنت راعي غنم أبي، ويدي تعمل الكبر، وأصابعي تقص المزامير، فمن ذا الذي حدث ربي عني؟ هو ربي، وهو الذي سمع مني وأرسل إلى ملائكته فأنزعني من غنم إخوتي، هم أكبر مني وأحسن، فلم يرضهم ربي، فبعثني للقاء جنود جالوت، فلما رأيته يعبد أصنامه أعطاني النصر عليه، فأخذت سيفه، فقطعت رأسه.