""""""صفحة رقم 56""""""
ومن هنا تظهر المسألة التي تفر منها الفقهاء وهي: إذا قال رجل لامرأته: إن كنت تحبيني ( 148 ) أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق ، فقالت: أنا أحبه ، فقال كثير منهم من أصحابنا وغيرهم: إنها تطلق لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداء به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له وجهلا منها بتصور عذاب جهنم فتكون صادقة فيما أخبرت به . و من هذا: الحديث الذي فيه أن الكافر يقول من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة: رب أرحني حتى ولو إلى النار . فظهر بهذا: أن من خير بين مكروهين فاختار أخفهما دفعا لأعظمهما أنه يكون محبا لما اختاره مختارا له من وجه دون وجه . وأما ما يقتضيه لفظ الحديث من كونه محبا للآخر: فهذا - أولا - غير لازم على قول الكوفيين الذين لا يرون أن"أفعل"التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقا ، فيجوز عندهم أن يقال: الثلج أبرد من النار ، وأما على قول البصريين فإنه قد ورد في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة وتأولوا فيه"أفعل"ب"فاعل"فكذلك تتأول هنا . ومما بقي مما يتعلق بلفظ هذا الحديث: أن قوله ( صلى الله عليه وسلم ) :"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة . وفي"سنن أبي داود"عن ابن مسعود أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان يقول في خطبته:"من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا ( 149 ) ."