فصلٌ
وإن من أعظم الأسباب الجالبة لانتشار الأحاديث الموضوعة: عدم التثبت في الرواية.
وقد روى البخاري وغيره حديثا عظيما زاجرا لناشري الأحاديث المكذوبة والروايات التي لا يعلم صحتها بين الناس.
فعن واثلة بن الأسقع؛ قال: قال رسول الله: «إن من أعظم الفرى: أن يدعى الرجل إلى غير أبيه أو يري عينه ما لم تر، أو يقول على رسول الله ما لم يقل» [1] .
قال السيوطي رحمه الله [2] : «لا أعلم شيئا من الكبائر، قال أحد من أهل السنة بتكفير مرتكبه إلا الكذب على رسول الله؛ فإن الشيخ أبا محمد الجويني من أصحابنا، وهو والد إمام الحرمين؛ قال: إن من تعمد الكذب عليه - صلى الله عليه وسلم - يكفر كفرًا يخرجه من الملَّة، وتبعه على ذلك طائفة، منهم الإمام ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية، وهذا يدل على أنه أكبر الكبائر؛ لأنه لا شيء من الكبائر يقتضي الكفر عند أحد من أهل السنة، والله أعلم» .
قلت: أمَّا كونه أكبر الكبائر؛ فهذا ظاهر الأخبار، أما كفره؛ ففيه نظر؛ ما لم يستحله، فإنه حينئذٍ يكفر بالاتفاق.
وقال السيوطي رحمه الله: «قد أطبق علماءُ الحديث بأنه لا تحل رواية الموضوع في أيِّ معنى كان؛ إلا مقرونا ببيان وضعه» .
وقال: «قال الدارقطني رحمه الله: توعد - صلى الله عليه وسلم - بالنار من كذب عليه بعد أمره بالتبليغ عنه [3] ؛ ففي ذلك دليل على أنه إنما أمر أن يبلغ عنه الصحيح دون السقيم، والحق دون الباطل، لا أن يبلغ عنه جميع ما رُوي عنه؛ لأنه قال - صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» ، أخرجه مسلم [4] من حديث أبي هريرة.
فمن حدث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يميز بين صحيحها وسقيمها، وحقها من باطلها، باء بالإثم وخيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين على رسول
(1) فتح الباري (6/ 540) .
(2) «تحذير الخواص من أكاذيب القصاص» (ص 125) .
(3) يشير إلى حديث أبي سعيد يرفعه: «حدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ؛ فليتبوأ مقعده من النار» خرجه مسلم (18/ 129 - نووي) .
(4) أخرجه في «المقدمة» (1/ 72 - نووي) .