فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 41

فصلٌ

وقد كان الصحابة والتابعون لهم يتوقَّون كثرة الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشية النسيان، والدخول في أحاديث الوعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فروى البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن الزبير؛ قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: «من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار» [1] .

وروى البخاري ومسلم أيضًا عن أنس رضي الله عنه؛ قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعمد عليَّ كذبًا؛ فليتبوأ معده من النار» . [2]

وقد كان كثير من الصحابة إذا حدث بحديث قال عقبهُ: أو قريبا من ذلك، أو نحو ذلك، أو شبيهًا بذلك ... ونحو هذه العبارات الدالة على شدة توقيهم.

فلله درهم من أقوام، ما أشد ورعهم! وما أحسن أثرهم على الناس وأسوأ أثر الناس عليهم!.

وقد روى ابن ماجه [3] بسند صحيح عن عمرو بن ميمون؛ قال: «ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس؛ إلا أتيته فيه قال: قال رسول الله قال: فَنَكَسَ. قال: فنظرت إليه؛ فهو قائم محلََّلَة أزرارُ قميصه، قد اغرورقت عيناهُ وانتفختْ أوداجهُ؛ قال: أوْ دون ذلك أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك، أو شبيها بذلك ... وخرجه أيضا الدارمي والحاكم.

وروى ابن ماجه [4] أيضًا بسند صحيح عن محمد بن سيرين؛ قال: «كان أنس بن مالك إذا حدث عن رسول الله حديثًا، ففرغ منه؛ قال: أو كما قال رسول الله» .

والآثار في هذا الباب كثيرة جدًّا، تركناها خشية الإطالة، ومن لم يكفه هذان الأثران؛ فلا تغني عنه كثرة الآثار إلا حيرة.

{وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} (النور: 40) .

(1) «فتح الباري» (1/ 200) .

(2) «فتح الباري» (1/ 201) ، و «صحيح مسلم» (1/ 66 - نووي) .

(3) (1/ 10 - باب التوقي في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت