فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 41

فصل ٌ

تواتر [1] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كذب علي َّ متعمدا؛ فليتبوأ مقعده من النار» .

رواه الشيخان وغيرهما من رواية عدة من الصحابة رضي الله عنهم.

ومن الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم: الجزم بالأحاديث الضعيفة أنه قالها، كأن يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ... وما أشبه ذلك؛ فإن هذا لا يجوز لأن الحديث لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان الواجب عليك أن تقول: يُروى أو يحكى [2] ... وما أشبه هذه الصيغ من صيغ التمريض، ولكن لما قلت عظمة الله وعظمة رسوله من قلوب كثير من الناس، تساهلوا في رواية الأحاديث الموضوعة والضعيفة جدًّا، ونسبوها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - جازمين بها.

فكيرا ما نسمع الخطباء والوعاظ وغيرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «رحم الله امرأ كف الغيبة عن نفسه» ، فإذا سألته عن هذا الحديث: من رواه؟ فإذا هو لا يدري! وما صحته؟ فكذلك لا يدري! إنما يجيبك أنه قرأه في الكتاب الفلاني [3] .

والحديث المشار إليه موضوع لا يصح، ومن نسبه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعليه الوعيد الشديد، «وليتبوأ مقعده من النار» .

وهذا الحديث على سبيل المثال لا الحصر، وسنورد إن شاء الله تعالى فصلا يأتي ذكره بذكر جملة من الأخبار الضعيفة الموضوعة التي يلهج بها كثير من طلبة العلم والخطباء والوعاظ وغيرهم؛ مبينين من رواها، وسبب ضعفها، ليحيى من حيَّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.

(1) الصحيح في المتواتر أنه ما ليس له عدد محصور فقد يحصل التواتر بعشرة وأكثر وقد يحصل بأقل من ذلك وقد حصره بعضهم بعدد معين وشرطوا في ذلك ألا يقل عن أربعة وقال بعضهم ألا يقل عن ثلاثة وهذه أقوال لا دليل عليها ولا وجه لها من النظر.

قال الإمام السجزي في رسالته لأهل زبيد (187) : «وقد اتفق أكثر الأصوليين على أن المتواتر ليس له عدد محصور، وليس المراد بذلك أنهم يخرجون الكثرة عن الحصر، وإنما المراد أنه لا يحصر بأن الذي يوجب العلم ما نقله اثنان أو ثلاثة أو عشرة بل ننظر إلى وقوع العلم به وانتفاء الظن عنه فربما حصل ذلك بمائة أو أكثر وربما حصل بأربعة أو أقل ... » .

وهذا الحق فليس مع من حصر المتواتر بعدد برهان فقد يحصل التواتر بثلاثة وأقل إذا احتفت بذلك قرائن.

والله أعلم.

(2) إذا كان المتكلم بين عوام؛ فلا يكفي أن يقول: يُروى بصيغة التمريض؛ لأنهم لا يفهمون ذلك، بل يصرح بضعفه.

(3) إذا كان صاحب الكتاب اشترط الصحة، وهو ممن يعتمد عليه في التصحيح والتضعيف؛ فيجوز الاعتماد عليه في النقل، وأما إذا كان صاحب الكتاب من المتساهلين في نقل الأحاديث، بل ينقل كل ش 0 يء وجده في الكتب، سواء كان ضعيفًا أو صحيحًا أو موضوعًا فهذا لا يجوز الاعتماد عليه إلا بعد التثبت والبحث، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت