فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 41

وقد جزم غير واحد من أهل العلم على أن من نقل حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يعلم حاله: أنه آثم، فيدخل في ذلك الوعاظ والقصاص والخطباء ويغرهم ممن ينقل الأحاديث ويبثها بين الناس وهو لا يعلم حالها؛ لأنه أقدم على رواية الحديث من غير علم.

قال الحافظ زين الدين العراقي: «وإن اتفق أنه نقل حديثًا صحيحًا كان آثمًا في ذلك؛ لأنه ينقل ما لا علم له به، وإن صادف الواقع؛ كان آثمًا بإقدامه على ما لا يعلم» [1] .

وهذا عين الصواب؛ لأنه قفا ما لا علم له به، وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} (الإسراء: 36) .

فيجب على كل عالم وخطيب وواعظ وغيرهم أن لا يحدثوا الناس إلا بما عرف مخرجه وصحته، وإلا؛ فلهم حظ وافر من أحاديث الوعيد الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم الكذب عليه.

وقد كان جماعة من السلف يحكمون على من حدث بالأحاديث الباطلة بالضرب والحبس.

منهم الإمام البخاري، دفع إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن أحاديث منها: الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا: «الإيمان لا يزيد ولا ينقص» ؟ فكتب الإمام محمد بن إسماعيل رحمه الله على ظهر كتابه: «من حدث بهذا؛ استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل» .

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «سألت يحيى بن معين عن زكريا بن يحيى الكسائي الكوفي؟ فقال: رجل سوء يحدث بأحاديث سوء. قلت: قال لي: إنك كتبت عنه. فحول وجهه، وحلف بالله: إنه لا أتاه ولا كتب عنه، وقال: يستأهل أن يحفر له بئر فيلقى فيها» [2] .

«ولما ذكر ليحيى بن معين حديث سويد بن سعيد «من عشق فكتم فمات؛ مات شهيدا» [3] قال: لو كان لي فرس ورمح غزوت سويدًا».

قلت: لأن هذا الحديث لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل حكم عليه غير واحد من أهل العلم بالوضع.

(1) انظر: «تحذير الخواص» للسيوطي (ص 163) .

(2) «ميزان الاعتدال» (2/ 75)

(3) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» وانظر كلام العلامة ابن القيم على هذا الحديث في «زاد المعاد» (4/ 275) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت