وأما مذهب الحنابلة، فيعبر عنه الإمام ابن قدامة في"المغني"فيقول: (كل لعب فيه قمار فهو محرم، أي لعب كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته، وما خلا من القمار - وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما - فمنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح، فأما المحرم فاللعب بالنرد، وهذا قول أبي حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: هو مكروه غير محرم.
واستدل ابن قدامة لمذهبه بالحديثين اللذين ذكرهما ابن رشد وذكرناهما من قبل.
قال: (إذا ثبت هذا، فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته، سواء لعب به قمارًا أو غير قمار، وهذا قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي.
فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم، إلا أن النرد آكد منه في التحريم؛ لورود النص في تحريمه، لكن هذا في معناه، فيثبت فيه حكمه، قياسًا عليه.
وذكر القاضي حسين، ممن ذهب إلى تحريمه: علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وسالمًا، وعروة، ومحمد بن علي بن الحسين، ومطرا الوراق، ومالكًا، وقول أبي حنيفة.
وذهب الشافعي إلى إباحته، وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، واحتجوا بأن الأصل الإباحة، ولم يرد بتحريمها نص، ولا هي في معنى المنصوص عليه، فيبقى على الإباحة، ويفارق الشطرنج النرد من وجهين:
أحدهما: أن في الشطرنج تدبير الحرب، فأشبه اللعب بالحراب، والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل.
والثاني: أن المعول في النرد على ما يخرجه الكعبتان، فأشبه الأزلام والمعول في الشطرنج على حذقه وتدبيره، فأشبه المسابقة بالسهام.