فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 154

ولم يكتفوا بذلك، بل طلبوا الحمد على أنهم سئلوا فأجابوا بالحقيقة، وفيهم نزل قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] (1) .

ومثل ذلك فرح الذين غرهم علمهم المادي، فوقفوا عنده، ورفضوا ما جاء به الوحي، وفيهم جاء قول الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83] .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تُكْثِرْ مِنَ الضَّحِكِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (2) فالحديث واضح الدلالة على أن المنهي عنه ليس مجرد الضحك، بل كثرته، وكل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده.

وأما وصفه - صلى الله عليه وسلم - «بِأَنَّهُ مُتَوَاصِلُ الْأَحْزَانِ» (3) . فالحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة.

ويعارضه الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله من الهم والحزن (4) .

على أن ذلك الحديث لو صح لأمكن تأويله أنه كان يمسي ويصبح وهو مشغول بهموم دعوته، وهموم أمته، وما أكثرها، بالإضافة إلى هَمِّ الآخرة وأهوالها.

ولكنه مع هذا لم يضق قلبه الكبير عن المزاح والمداعبة، وإعطاء الفطرة حقها، والناس حقوقهم، وهذه هي الإنسانية الكاملة، والأسوة المثلى.

وقد ذهب بعض المتصوفة وأرباب السلوك إلى أن (الحزن) منزلة تطلب لأهل

(1) إشارة إلى ما رواه البخاري في التفسير [4568] ، ومسلم في التفسير [2778] عن ابن عباس.

(2) سبق تخريجه. انظر ص 19 من هذا الكتاب.

(3) سبق تخريجه. انظر ص 19 من هذا الكتاب.

(4) رواه البخاري في كتاب الدعوات [2736] عن أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت