وقد ذكر الإمام الغزالي في كتاب (الإحياء) (1) أحاديث غناء الجاريتين، ولعب الحبشة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وتشجيع النبي لهم بقوله: «دُوْنَكُمْ يَا بَنِيْ أَرْفِدَةَ» . وقول النبي لعائشة: «تَشْتَهِيْنَ أَنْ تَنْظُرِيْ» ؟، ووقوفه معها حتى تمل هي وتسأم، ولعبها بالبنات مع صواحبها، ثم قال: فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين، وهي نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام، وفيها دلالة على أنواع من الرخص:
الأول: اللعب، ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب.
والثاني: فعل ذلك في المسجد.
والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: «دُوْنَكُمْ يَا بَنِيْ أَرْفِدَةَ» وهذا أمر باللعب، والتماس له، فكيف يقدر كونه حراما؟
والرابع: منعه لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - عن الإنكار والتعليل والتغيير، وتعليله بأنه يوم عيد، أي وقت سرور، وهذا من أسباب السرور.
والخامس: وقوفه طويلا في مشاهدته ذلك وسماعه، لموافقة عائشة رضي الله عنها، وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الامتناع والمنع عنه.
والسادس: قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة ابتداء: «أَتَشْتَهِيْنَ أَنْ تَنْظُرِيْ» ؟
والسابع: الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين ... إلى آخر ما قاله الغزالي في كتاب السماع.
وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تبعهم بإحسان في خير قرون الأمة يضحكون ويمزحون، اقتداءً بنبيهم - صلى الله عليه وسلم - واهتداء بهديه. حتى إن رجلًا مثل عمر بن الخطاب - على ما عرف عنه من الصرامة والشدة - يروى عنه أنه مازح جارية له، فقال لها:
(1) في كتاب السماع من ربع العادات (2/ 248) .