ولكن ما جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أحق أن يتبع، وهو يمثل التوازن والاعتدال.
وقد قال لحنظلة حين فزع من تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتهم نفسه بالنفاق: «يَا حَنْظَلَةُ لَوْ تَدُوْمُوْنَ عَلَى مَا تَكُوْنُوْنَ عَلَيْهَا عِنْدِيْ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِيْ الطُّرُقَاتِ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» (1) ، وهذه هي الفطرة، وهذا هو العدل.
روى ابن أبي شيبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متحزقين ولا متماوتين. كانوا يتناشدون الأشعار، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون (2) .
والتحزق كما يقول الإمام الخطابي: التجمع وشدة التقبص.
وفي النهاية لابن الأثير: متحزقين: أي منقبضين ومجتمعين.
وسئل ابن سيرين عن الصحابة: هل كانوا يتمازحون؟ فقال: ما كانوا إلا كالناس. كان ابن عمر يمزح وينشد الشعر (3) . وابن عمر هو من هو، في ورعه وجده وتشدده.
وبهذا يكون موقف أولئك النفر من المتدينين أو المتحمسين للدين، وعبوسهم وتجهمهم الذي ذكره الأخ السائل، لا يمثل حقيقة الدين في شيء، ولا يتفق مع هدي الرسول الكريم وأصحابه.
(1) سبق تخريجه. انظر ص 14 من هذا الكتاب.
(2) المصنف لابن أبي شيبة (8/ 711) بلفظ"منحرفين"بدل"متحزقين"والتصويب من غريب الحديث للخطابي (3/ 49) .
(3) رواه أبو نعيم في: الحلية (2/ 275) .