وكما رأينا في موقف سيدنا عمر، حتى أخذ الحصباء بيده ورمى بها الحبشة وهم يلعبون بحرابهم، حتى زجره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: «دَعْهُمْ يَا عُمَرُ» (1) .
ولا يزال الناس متفاوتين جد التفاوت في مثل هذه المواقف، والإسلام يسعهم جميعا.
وأفضل المواقف بلا نزاع هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم، الذي وسع هذه الألوان من اللهو، برغم ما يحمل في صدره من هموم الدعوة والأمة.
ولا ريب أن هناك من الحكماء والأدباء والشعراء من ذم المزاح، وحذر من سوء عاقبته، ونظر إلى جانب الخطر والضرر فيه، وأغفل الجوانب الأخري.
قال بعضهم: المزاح مجلبة للبغضاء، مثلبة للبهاء، مقطعة للإخاء.
وقيل: إذا كان المزاح أول الكلام كان آخره الشتم واللكام.
وسئل الحجاج بن الفرية عن المزاح فقال: أوله فرح، وآخره ترح، وهو نقائض السفهاء مثل نقائص الشعراء، والمزاح فحل لا ينتج إلا الشر.
وقال مسعر بن كدام:
أما المزاحة والمراء فدعهما خلقان لا أرضاهما لصديق
وقيل:
لا تمازح صغيرًا فيجترئ عليك، ولا كبيرًا فيحقد عليك!
ونحوه قول الشاعر:
فإياك إياك المزاح فإنه يجرّي عليك الطفل والدنس النذلا
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر.
وقيل: المِزاح يُبدي المهانة، ويُذهب المهابة، والغالب فيه واتر، والمغلوب ثائر.
وقيل: احذر فلتات المِزاح، فسقطة الاسترسال لا تقال.
(1) انظر تخريجه في ص 122 من هذا الكتاب.