أما من جهة التجسس لصالح المحتل وأهل الحرب عموما, فقد شكلت هذه الظاهرة عقبة من العقبات التي عرقلت الحركات الجهادية ضد المحتل, و اكتست هذه الظاهرة طابعا جماعيا في بعض الأحيان, كما كان عليه حال"المريسكوس"مع البرتغال. فسار إليهم المجاهد العياشي-رحمه الله- وأعلن الحرب عليهم بعد أن أفتى فقهاء زمانه بجواز مقاتلتهم. وممن أفتى بذلك أبو عبد الله محمد العربي الفاسي وعبد الواحد بن عاشر [1] . ... و قد اتفقت فتاوى الفقهاء التي أصدروها في هذا الباب على حكم واحد لا خلاف فيه: هو قتل كل من ثبت في حقه أنه تجسس لصالح المحتل, من البرتغال والأسبان وغيرهم. فقد أفتى علي بن عبد الله الأنصاري -رحمه الله- في قوم ينقلون أخبار المسلمين إلى النصارى, ويخبرونهم بعوراتهم, ويسعون معهم فيما يضر المسلمين, أنهم يستحقون القتل بغير استتابة تبعا للقول المشهور في مذهب مالك -رحمه الله- وهو ما ذهب إليه ابن القاسم وسحنون والفقيه التسولي (ج 2/ 239) .
و مما يجب معرفته في هذه المسألة: أن التجسس للكفار على المسلمين يدخل دخولا مؤكدا في موالاتهم وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء. كما أن صور المظاهرة المعاصرة للحملة الصليبية الهمجية الحاقدة والسافرة, ناقض من نواقض الإسلام باتفاق من يعتد بأقوالهم من أهل العلم الربانين. قال ابن عاشور: (قوله - سبحانه وتعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ... وهذا بظاهره يقتضي أن ولايتهم دخول في ملتهم) [2] اهـ. و قال ابن حزم في المحلى: (صح أن قوله - سبحانه وتعالى: {و من يتولهم منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار, و هذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) [3] اهـ.
وبعد هذا العرض المختصر نقول لأهل الندوة نسألكم بالذي أنزل الكتاب وأجرى السحاب وهزم الأحزاب: من أولى بالتجريم و التجريح؟ وأين أنتم من هذا الحق الذي لا مرية فيه؟
(1) كما جاء في البيان و التحصيل لابن رشد [2/ 537]
(2) التحرير و التنوير [6/ 230]
(3) المحلى [11/ 138]