هذه اللغة الشاعرية والسهلة جعلت له إمكانية التغني والترنم، مع ما فيه من وهم إمكانية صناعة المستقبل دون شعور بقهر القدر عليه.
لم يحاول نيتشه أبدًا أن يبدي دليلًا لكلماته، بل ألقاها كأنها حق وكفى، فخذها كما هي، ويكفي أن يقولها هو لتكون الحكمة التي أخطأتها البشرية حتى نطق بها هذا المريض.
لقد اشتغل بمناقضة وصايا المسيح كما هي في الإنجيل، وحرص على تعقبها، فهو مشغول بهوس وهذيان ليقيم لنفسه صرح الواعظ الجديد.
الإنسان الخارق، والعودة لشريعة الغاب، والتنازع ليحصل أفضل الخلق بوحشيتكم هي عماد كلمات هذا المريض، ومع ذلك تلقاها أناس حكموا بلادهم كهتلر، وأرادوا صناعة الوجود على وفق هذه الكلمات.
كان هتلر العنصري معجبًا بنيتشه، وقد أهدى صاحبه موسوليني مجموعة فاخرة من مؤلفاته.
مات نيتشه وماتت وصاياه، وبقي منها شعور الغربي أنه متفوق فوق البشر، وأنه يرتقي في سلم الوجود والعالم كامن في خزيه، وبقي هذا الشعور في نفوسهم أن عالم الفضائل يصلح لجهل الشرق وضعفه، وأن هذا الغربي كلما احتقر كلمة"أخلاق"، وكلما تجاوز كلمة"فضائل"ومشتقاتها فهو متوجه بقوة وصواب نحو أهدافه بحكم العالم.
مما يؤسف له أن بعض أبناء هذا الدين حاولوا تقمص صورة وصاياه فلم يجنوا إلا الخزي، ولم تفدهم مشاعر احتقار الآخرين إلا احتقار الناس لهم، وما تحصلوا إلا ما تحصله سيدهم: مرض السفلس الجنسي، وعوارض جنون أقعدته في مستشفى المجانين خمسة عشر عامًا.
صحتين وعافية.