كليمة في كتاب (17)
جزء فيه شرح حديث (حبب إلي من دنياكم .. )
أبو بكر ابن فورك الأصبهاني رحمه الله تعالى
[31 يناير 2018 - 15 جمادى الأولى 1439]
بعض الكتب من كلام سلفنا الصالح وضعت على معنى الحب، وعلى معنى الغزل، وعلى معنى القلوب، تقرأ فيها فكأنك تعاشر نفسًا تطرب، وحنايا بين النفوس تقيم ولا تذهب، فهو مطوف بك في معاني الذوق فوق ما تريده الكلمات، يحاول بها صاحبها أن يطير بها لا أن يعبر بها إليك، فأنت حينها لا يضرك إلا ضعف الكلمات في الإبانة عن الشوق، وعجزها عن كشف سر ما يحس وما يتلذذ.
إنها من معاناة الناس الذين يذوقون، تبقى كلماتهم الجميلة في أنفسهم، كلما جاءوا إلى الورق ليخرجوها استعصت وهربت، فهم دومًا مع هذا المعنى: إن أعظم كلماتنا تلك التي لم نقلها بعد.
مع هذا الجزء العلمي من كلام الإمام ابن فورك تأتي إلى رجل يذوق، ويعيش، يتحدث عن حبين عظيمين، وعن معنيين من معاني الوجود لا يدرى عنهما إلا أن تقف على شفا البئر منهم فتعب ولا تثمل، وتشرب ولا تتضلع، فأنت كلما أوفيت على شيء عظيم برز لك أعظم، وكلما التقطت صيدًا قام لك أجمل، فيا لله كم يصنع الحب في هذا الدين من جمال، وكم يتلذذ أصحاب المعاني!
في هذا الجزء الرائع يعيش هذا الإمام مع جمالين، هما الجمال، ووسيلة للجميل، أما الجمال الأول فروعة الصلاة في قلبه، وتذوق معانيها الكامنة في جوهرها، فهو لا يتحدث عنها حديث الواصف الذي يراقب، بل حديث السابح في الجمال، والذائق لمعانيه، فهو مغمور في النور، مغموس في سبحاته.