فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 191

إِنَّ هذا النَّهْج في مَدِّ جملة الشَّرْط عَبْرَ تَكرار أداة الشَّرْط أو تناوب الأدوات الشَّرْطية فيما بَيْنَها كما في،"إِذا"و"إن"جَعَلَ الشَّاعر يستنفدُ صُوَرًا عِدَّة للظَّلام الذي رمز به للنظام السياسي السائد آنذاك.

ولو تحرَّيْنا الدِّقَةَ فإنَّ الجواهري قد استعمل جملةً طويلةً متداخلةً كان ينبغي أَنْ يكون جواب الشَّرْط فيها محذوفًا لأنَّهُ اكتنفَهُ ما يدل عليه غير أَنْ ما يبَعْدَ هذا التخريج أنَّه إستعمَلَ الفاء رابطة أو أنَّه تَرَكَ (إنْ) دون خبر أو أنَّه عَدَّ جملة الشَّرْط الطويلة كُلَّها خَبَرًا، إنَّ هذِهِ الطَّريقة في بِناء الجُمَل أَمْرٌ لا يُتاحُ لأَيِّ شاعرٍ إلاّ للّذي يَمتَلِك لُغُة ثَرَّة وخيالًا خصبًا ولولاها لَما إستطاعَ أنْ يُحافِظَ على مَتانةِ لُغَتِهِ وبناءِ عِبارتهِ الشِّعرية وزيادة على ذلِكَ فإنَّ الطَّاقةَ الإِنفعالية الهائلة لديه هِيَ الَّتي تَعكِسُ هذا اللون مِنْ البِناءِ المُعقّد.

ويستثمرُ الشَّاعر هذِهِ الطّريقة في بناءِ المَقطَعِ التالي فيبدأُ بـ"إِذا"الَّتي يُكرِّرُها سَبْعُ مَرّاتٍ ولا يَذْكرُ الجّوابَ إلاّ بَعْدَ مساحةٍ قَوْلِيَّةٍ طَويلة فَتَمْتَدُّ بذلِكَ الجُمَلةُ وتَصْبح غايةً في التَّشابك ومِنْ جانب تُعَبّر عَنْ مَيْلِ الشَّاعر إلى شَحْنِ النَّصِّ بما يضطرمُ في نفسه مِنْ انفعال فيثير الشوق لدى القاراء الذي يبحث عن الجواب بلهفة فلا يصل إليهِ إلا بَعْدَ نفاد صَبْر.

إِنَّ هذا النَّهْج في بناء الجُمَلة الشَّرْطِيَّة لدى الشَّاعر يُعَبِّر عن تَأَثُّر واضحٍ بأسلوب القرآن الكريم الَّذي يَعْمَدُ إلى تَكرار أداة الشَّرْط فتمتدُّ عَبْرَ جُمَلٍ شَرطِيَّة عديدة ولا يأتي جواب الشَّرْط إلا بَعْدَ امتداد الجُمَل الشَّرْطية في آيات عديدة، قال الله تعالى في سورة التَّكوير:

(إِذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذا النّجُومُ انْكَدَرَتْ. وَإِذا الجِبَالُ سُيِّرَتْ. وَإِذا العِشَارُ عُطِّلَتْ. وَإِذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ. وَإِذا البِحَارُ سُجِّرَتْ. وَإِذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ. وَإِذا المَوؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. وَإِذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ. وَإِذا السَّمَاءُ كُشِطَتْ. وَإِذا الجَحيمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت