وإذا كان المحدَثون تعرَّضوا إلى مسألة الطُّوْل والقِصَر في القصيدة الحديثة المبنية على نظام الشِّعر الحُرِّ فإِنَّ وجهة نَظَرِهِمْ يمكن أَنْ تشمل القصيدة المبنية على نظام الشرطين أو أية بنية عروضية قريبة منه.
ولعلَّ الراجح في ذلك أنَّنا لا يمكن أنْ نغفلَ حجمَ القصيدة ولا سيَّما عند شاعر مُبْدِعٍ مِثْلِ الجواهري فله من القصائد الطُوال ما يفوقُ به أقرانَهُ من الشِّعراء فَتَبَيَّنَ مِنَ الإحصاء أنَّ عدد القصائد الَّتي تجاوزت خمسين بيتًا يربو على (135) قصيدة (2) ، والقصائد الَّتي تجاوزت مائة بيت بَلَغْنَ (37) قصيدة.
ولعلَّ القصائد القصيرة الَّتي قالَها الجواهري لا تُمَثِّلُ شاعريتَهُ بقدر القصائد الطويلة الَّتي تقترب من الملحمة كقصيدة"يا نديمي"و"أنيتا"و"أفروديت"و"أخي جعفر"و
"يوم الشهيد"و"المقصورة".
والذي نَعْنيه بالقصيدة القصيرة عند الجواهري تلك الَّتي تندرج في غرض الإخوانيات والمناسبات الخاصَّة والتَّعازي، أي تلك القصائد الَّتي تنبع من مسار عاطِفيٍّ واحدٍ فضلًا عن القصائد الَّتي قالها في مناسباتٍ عابِرَة.
ــــــــــــــــــــ
يعتمد الشَّاعر آلِيَّةٍ خاصَّةً في بناء قصائده عبر دعائم فنيةٍ ولُغَوية يستثمرها لِمَدِّ القصيدة ويمكنُ أَنْ نُجْمِلَ أهمَّها بما يلي:
إنَّ الجواهري مُوْلَعٌ بتقسيم القصيدة إلى مقاطع ولا يهمه أن تأتي هذه المقاطع متساوية أو غير متساوية ففي معظم قصائده لا يلتزم عددًا ثابتًا من الأبيات في كل مقطع من مقاطع القصيدة فيعتمد طول المقطع لديه على المضمون الفكري الذي يحتويه وعلى انفعال الشَّاعر تجاه ذلك المضمون. ومن السبل اليسيرة الَّتي اختارها الجواهري سبيل التقسيم هذا لكونه يسهل عليه عملية التنويع في الأفكار والأخْيلَة واستشراف جوانب الفكرة الأساسية فضلًا عن أنه يتيح